منتديات الابداع الراقي و المشاركات المتميزة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول
اعلان لزائراتنا الكريمات: يتوجب عليكن التسجيل لمعاينة قسم القصص المغربية, نتمنى لكن زيارة ممتعة و سنكون سعداء بانضمامكن القريب الينا
جديد: بقلم العضوة العزيزة "ميس كيوت" , بالعربية و خطيا, على صفحات المنتدى: الرواية الفائقة الرومانسية و التشويق " الشفق"كاملة بمنتدى توايلايت على هاذا الرابط
 http://ladynaana.ahlamontada.com/montada-f5/topic-t28.htm

رواية جاين اوستن ..كبرياء و هوى كاملة بالعربية في منتدى القصص العالمية المترجمة
تطور المنتدى رهين بمشاركاتكم و ابداعكم..ننتظر مساهمات متميزة منكم, منها نستفيد, و بها يزدهر منتداكم
قرأت مجموعة الشفق او شاهدتها كأفلام?..شاركينا رأيك و انطباعاتك بقسم الTwilight saga  
اسأل الله ان يتقبل صيامنا وقيامناوأن يعيد علينا شهر رمضان المبارك أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في نصر وعزة وتمكينتهاني لكم بحلول عيد الفطر المبارك و أسأل المولى الكريم ان يمنعلى الجميع بقبول الاعمال والطاعات وان يعيده عليكم وعلى الامةالاسلامية جمعاء بالخير والبركة وان يوفقنا جميعا لمرضاته

شاطر | 
 

 رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 22, 2010 9:03 am

الجزء الثالث عشر




اعترافات






صدمني مظهر إدوارد في ضياء الشمس . لم أستطع التعود عليه رغم أنني واصلت النظر إليه طيلة بعد الظهر . كان جلده،الأبيض رغم تورده قليلاً بسبب ذهابه إلى الصيد أمس ، يتلألأ بالمعنى الحرفي للكلمة كما لو كانت على سطحه آلاف الماسات الصغيرة . استلقى على العشب ساكناً تماماً . كان قميصه مفتوحاً فوق صدره المنحوت المتوهج...




كانت ذراعاه العاريتان متوهجتين أيضاً . كانت أهداب عينيه الصقيلة الشاحبة مغلقة مع أنه لم يكن نائماً طبعاً . كان تمثالاً كاملاً منحوتاً من حجر غير معروف ... صقيلاً كالرخام ... متلألئاً كالكريستال .



كانت شفتاه تتحركان من حين لآخر حركه سريعة كما لو أنهما ترتجفان . وعندما سألته قال إنه كان يغني لنفسه ... لكن صوت ذلك الغناء كان أخفض مما أستطيع سماعه .



رحت أستمتع بالشمس أيضاً رغم أن الهواء لم يكن بالجاف الذي يلائم ذوقي . كنت أود أن أستلقي مثله وأن أترك الشمس تدفئ وجهي . لكنني ظللت جالسة . أسندت ذقني إلى ركبتي غير راغبة في تحويل عيني عنه . كان النسيم لطيفاً ... كان يعبث بشعري ويجعل سيقان العشب المتمايلة حول جسده الساكن تضطرب .
صار هذا المرج الذي رأيته رائعاً أول الامر باهتاً اذا ما قورن بروعة جماله .



مددت إصبعي مترددة ... خائفة دائماً ، حتى الان ، من اختفائه فجأة كما يختفي السراب فهو أجمل من أن يكون حقيقة ... مررت بها على ظهر يده المتلألئة حيث كانت تستلقي بقربي . عجبت من جديد لملمسها الرائع الصقيل مثل الساتان ... البارد مثل الحجر . وعندما نظرت إليه من جديدي كانت عيناه مفتوحتين تنظران إلي ... كانتا اليوم فاتحتين ... أكثر دفئاً بعد الصيد . انثنت أطراف شفاهه عندما ابتسم بسرعة .



قال بصوت عابث : (( ألا أخيفك؟)) ... لكنني لمست فضولاً حقيقياً في صوته الخافت .
((كالمعتاد!... ليس أكثر)).
اتسعت ابتسامته ... التمعت أسنانه في الشمس .



اقتربت أكثر ... مددت يدي كلها لأتحسس تفاصيل ذراعه بأطراف أصابعي . رأيت أصابعي ترتجف وعلمت أنه سيلاحظ هذا الارتجاف ...لا محالة .



سألته لانه أغمض عينيه من جديد : (( هل تمانع ؟ )) ... قال دون أن يفتح عينيه : (( لا!...لاتستطيعين تخيل شعوري )) ... وتنهد .



واصلت متابعة تفاصيل عضلات ذراعه بلمسة خفيفة ... ورحت أتابع الأثر المزرق الباهت للشرايين عند طية مرفقه . ثم مددت يدي الأخرى لأقلب يده . أدرك ما أريد فقلب يده بواحدة من حركاته السريعة التي تربكني . أجفلتني حركته حركته فتجمدت أصابعي على ذراعه لحظة قصيرة .



تمتم : ((آسف!)) ... أفلحت في النظر إلى وجهه قبل أن يغمض عينيه الذهبيتين من جديد ... (( سهل جداَ أن أكون على طبيعتي تماماً معك )) .
رفعت يده ورحت أقلبها يميناً وشمالاً وأراقب لمعان الشمس على كفه .
قربتها من وجهي محاولة رؤية تلك الالتماعات الخفية في جلده .



همس : (( قولي لي فيم تفكرين! )) ... نظرت فرأيت عينيه تنظران إلي ... منتبهتين فجأة ... (( ما زال غريباً جداَ لي ... ألا أعرف !))
(( حقاً ! كلنا نشعر بذلك طيلة الوقت )).
قال : (( إنها حياة صعبة )) ... هل ثمة أثر من الأسف في صوته أن أنني أتخيل ؟ ... (( لكنك لم تخبريني )) .



قلت مترددة : (( كنت أتمنى أن أستطيع معرفة ما تفكر فيه ... )) .
(( وماذا أيضاً ؟))
(( كنت أتمنى أن أستطيع تصديق أنك حقيقي ... وكنت أتمنى لو أنني لست خائفة !))
(( لا أريدك أن تخافي )) ... كان صوته مجرد همس الان . سمعت ما لم يستطع قوله .... إنني لا يجوز أن أخاف ... وإن لا شيء يدعوني إلى الخوف .



(( لم أكن أقصد ذلك الخوف ... رغم أنه يستحق التفكير )) .
انتصب جالساً بسرعة شديدة ... كان يستند إلى ذراعه أما يده اليسرى فما زالت في يدي . كان وجهه الملائكي قريباً جداً من وجهي .
كان يجب أن أجفل مبتعدة بسبب هذا القرب الشديد غير المتوقع ... لكنني لم أستطع الحركه ... شلت عيناه الذهبيتان حركتي .



همس بصوت مصمم : (( مم تخافين إذن؟))
لم أستطع الاجابة . وكما حدث معي من قبل ... شممت رائحة أنفاسه على وجهي . رائحة حلوة لذيذة . لم تكن تشبه أي شيء . من غير تفكير ... على نحو غريزي ... ملت مقتربة من وجهه وأنا أتنفس عميقاً .



ثم ذهب ... لم تعد يده في يدي . وفي للحظة التي استغرقتها حتى أستعيد تركيز عيني كان يقف على مسافة أمتار مني . كان يقف عند حافة المرج الصغير تحت ظل كثيف لشجرة تنوب عملاقة . كان ينظر إلي بعينين داكنتين في ذلك الظل ... لم أستطع قراءة وجهه .



أحسست بالصدمة والجرح يظهران على وجهي ... وشعرت وخزاً في يدي الفارغتين ... همست : (( أنا ... آسفه ... إدوارد )) ... كنت اعرف أنه يستطيع سماع همسي .



صاح بصوت مرتفع يناسب سمعي : (( أعطني لحظة فقط )) .... فجلست مكاني ساكنة تماماً .



عاد بعد عشر ثواني بدت لي طويلة جداً . كانت حركته أبطأ من المعتاد . توقف قبل عدة خطوات مني وجلس متربعاً على العشب . لم تفارق عيناه عيني . استنشق نفساً عميقاً مرتين ... ثم ابتسم معتذراً .



قال متردداً : (( أنا آسف جداً ... جداً ... لو قلت لك إنني مجرد إنسان فهل تفهمين ؟)) .



أومأت برأسي غير قادرة تماماً على الابتسام لتلك النكتة . سرى الأدرينالين في عروقي مع إدراكي التدريجي للخطر . شم رائحة ذلك من حيث كان يجلس فصارت ابتسامته ساخرة معابثة .



(( أنا أفضل مفترس في العالم ... أليس هذا صحيحاً؟... كل ما في يشدك صوبي ... صوتي ووجهي ... حتى رائحتي . وكأنني أحتاج إلى شيء من ذلك )) . وقف فجأة وابتعد ... غاب عن نظري فوراً ... لم أره من جديد إلا تحت الشجرة نفسها ... لقد دار ذلك المرج خلال نصف ثانية ... ضحك بمرارة : (( وكأنك أسرع مني ! )) .



رفع يداَ واحدة ... ومن غير جهد كسر غصناً بسماكة قدمين مصدراً ضجة أصمت أذني . حمله بيده لحظة ثم رماه بسرعة تخطف الانظار صوب شجرة عملاقة أخرى فارتجفت واهتزت لشدة الصدمة .



ثم رأيته يقف أمامي من جديد ... على مسافة قدمين فقط ... هادئاً مثل حجر .



قال بلطف : (( وكأنك تستطيعين مقاتلتي !)).
جلست من غير حركة ... كان خوفي منه أكثر من أي وقت مضى .



لم أره من قبل متحرراً إلى هذه الدرجة من الواجهة الحريصة المدروسة التي يختفي خلفها . لم أره أقل شبهاً بالإنسان من قبل ... أو أكثر جمالاً . جلست بوجه شاحب وعينين متسعتين ... جلست مثل عصغور جمدته عينا أفعى .



بدت عيناه الجميلتان تغليان بإثارة متعجلة . لكنهما هدأتا مع مرور الثواني . ببطء ... اكتست تعابيره قناع حزن قديم . همس : (( لا تخافي )) ... كان صوته المخملي مغرياً ... دون قصد ... قال متردداً : (( أعدك! ... أقسم ألا أؤذيك )) ... بدا كمن يحاول إقناع نفسه ... لا إقناعي !



همس من جديد مقترباً مني ببطء مبالغ فيه : (( لا تخافي!)) ... جلس برشاقة لكن بحركة تعمد البطء فيها ... صار وجهانا على مستوى واحد ... لم تعد تفصل بينهما إلا مسافة قدم واحدة .



قال بصوت رسمي : (( أرجوك سامحيني ! أستطيع ضبط نفسي . لقد فاجأتني ... لكنني في أحسن أحوال سلوكي الان )) .



انتظر ... لكنني لم أستطع الكلام .
قال غامزاً بعينه : (( أنا لست عطشاً اليوم ... صدقاً!))
كان لابد لي أن أضحك رغم أن صوتي جاء مرتجفاً مقطوع الانفاس .
سألني بصوت حنون وهو يعيد يده إلى يدي : (( هل أنت بخير ؟))
نظرت إلى يده الباردة الناعمة ... ثم إلى عينيه ، كانتا لطيفتين ... نادمتين . نظرت إلى يده من جديد وعدت إلى متابعة خطوطها برؤوس أصابعي . نظرت إليه وابتسمت بخجل .



رد على ابتسامتي بابتسامة دوختني ... سألني بأسلوب لطيف يعود إلى قرن مضى : (( إذن ، أين كنا قبل أن أتصرف بتلك الفظاظة؟))
(( لا أستطيع أن أتذكر )) .



ابتسم لكن الخجل بدا على وجهه : (( أظن أننا كنا نتحدث عن سبب خوفك ... عدا الأسباب الواضحة طبعاً ))
(( آه ! صحيح ! ))
(( فما السبب إذن؟))



نظرت إلى يده ورحت أرسم فوقها بإصبعي رسوماً وهمية على غير هدى ... مرت الثواني .



تنهد : (( كم أصاب بالقنوط سريعاً! )) . .. نظرت في عينيه فأدركت فوراً ان الامر جديد عليه تماماً كما هو جديد علي . كان هذا صعباً عليه بعد خبرته التي تمتد سنين طويلة . شجعتني تلك الفكرة .



(( كنت خائفة ... بسبب ... لان ... من أجل ... الاسباب الواضحة التي تمنعني من البقاء معك . وأخاف من أنني أحب البقاء معك أكثر مما ينبغي لي أن أحبه )) . كنت انظر إلى يده أثناء كلامي . كان من الصعب علي ان أقول هذه الكلمات بصوت مرتفع .



قال ببطء : (( نعم! ... صحيح ... يجب أن تخافي من هذا . ليس من مصلحتك أبداً أن ترغبي في البقاء معي )) .
عبست .
قال متنهداً : (( كان يجب أن أذهب منذ زمن بعيد ... يجب أن أذهب الان ... لكنني لا أعرف إن كنت أستطيع ))



غمغمت ببؤس مطرقة برأسي من جديد : (( لا أريد أن تذهب )) .
(( ولهذا تحديداً يجب أن أذهب . لكن ... لا تقلقي . أنا كأئن أناني . أحب رفقتك إلى حد يمنعني من فعل ما يجب أن أفعله )) .
(( أنا سعيدة بهذا)) .



سحب يده من يدي ... بلطف أكبر هذه المرة : (( لا تكوني سعيدة به!)) ... كان صوته أخشن من المعتاد . خشناً بالقياس لصوته هو ...
لكنه كان أجمل من أي صوت بشري . كان يصعب علي مجاراته ...وكانت تغيرات مزاجه المفاجئة تسبقني بخطوة دائماً .




(( لا أتوق إلى رفقتك فقط ! لا تنسي هذا أبداً ... لا تنسي أبداً أنني أكثر خطراً عليك من أي شخص آخر )) ... صمت فنظرت إليه ... رأيته يحدق في الغابة .



فكرت لحظة ثم قلت : (( لا أظن أنني أفهم قصدك تماماً ... لكنني لا أفهم الجزء الاخير من كلامك أبداً )) .



نظر إلي وابتسم ... تغير مزاجه من جديد .
قال مازحاً : (( كيف أشرح لك؟ ... ومن دون أن اخيفك ثانية ... هممممممم ! )).... ومن غير أن يبدو عليه أي تفكير في حركته ... وضع يده في يدي من جديد . أمسكت بها بشدة بيدي الاثنتين . راح ينظر إلى أيدينا .



قال : (( هذا لطيف إلى حد مدهش ... الفء))



مرت لحظة قصيرة أعاد فيها استجماع أفكاره ثم قال : (( تعرفين كيف أن كل شخص يستمتع بنكهة مختلفة ... البعض يحبون الآيس كريم بالشوكولا ... وغيرهم يحبه بالفريز!))
أومأت برأسي .
(( آسف لانني أشبه الامر بشيء يؤكل ... لم تخطر ببالي طريقة اخرى للشرح )) .



ابتسمت فرد على ابتسامتي بابتسامة حزينة .



(( تعرفين أن لكل شخص رائحته ... عطره المختلف . واذا وضعت شخصاً يحب الكحول في غرفة فيها بيرة رديئة ... فسوف يشريها بسرور . لكنه يستطيع مقاومة ذلك اذا أراد ... اذا كان كحولياً يريد الاقلاع عن الكحول . لكن ، لنقل إنك تضعين في تلك الغرفة كأساً نادرة رائعة من البراندي عمرها مئة سنة ... كأساً يملأ شذاها الغرفة كلها ... فكم تظنين أنه يستطيع الصبر عليها؟ ))



جلسنا صامتين يحدق كل منا في عيني الاخر محاولاً قراءة أفكاره .



كسر الصمت قبلي : (( لعل هذه ليست مقارنة صحيحة . قد يكون الامتناع عن شرب تلك الكأس من البراندي أمراً سهلاً جداً . ربما كان من الافضل أن أفترض شخصاً مدمناً على الهيروين بدلاً من مدمن على الكحول !))



قلت مازحة من أجل تخفيف وطأة اللحظة : (( أنت تقول إذن إنني النوع الذي تفضله من الهيروين !))



ابتسم سريعاً وبدا عليه الشكر لما بذلته من جهد : (( نعم! أنت نوعي المفضل من الهيروين ... تماماً))
سألته : (( وهل يحدث ذلك كثيراً؟))
راح ينظر إلى قمم الاشجار مفكراً في إجابته .
قال مواصلاً التحديق في البعيد : (( تحدثت مع إخوتي عن هذا . جاسبر يراكم متشابهين جميعاً ... إنه آخر من انضم إلى أسرتنا . يصعب عليه كثيراً أن يمتنع عن البشر . لم يتح له الوقت بعد حتى يتحسس الفوارق في الروائح والنكهات )) . التفت إلي بسرعة وعلى وجهه تعبير اعتذار .
قال : ((آسف!)) .
(( لا مشكلة عندي! لا تشغل بالك بإمكانية إحساسي بالاهانة أو الخوف أو أي شيء . أعرف أن هذا ما تفكر فيه ... أحاول أن أعرف على الاقل . اشرح لي ... بقدر ما تستطيع )) .



استنشق نفساً عميقاً وحدق في السماء من جديد .



(( لذلك لم يكن جاسبر واثقاً من أنه صادف من قبل شخصاً شديد ... )) تردد باحثاً عن الكلمة المناسبة ... (( الجاذبية كما أنت بالنسبة لي . وهذا ما يجعلني أعتقد أن ذلك لم يحدث معه . إيميت في أسرتنا منذ زمن أطول ... وهو يفهم ما أعنيه . يقول إنه مر بهذا مرتين ... مرة أقوى من الأخرى )) .



(( وماذا عنك ؟ ))
(( أبداً! ))



ظلت كلمته للحظة معلقة ... هناك ... في النسيم الدافئ .
سألته حتى أكسر الصمت : (( ما الذي فعله إيميت ؟))



كنت مخطئة في طرح هذا السؤال ... أظلم وجهه وشد قبضة يده التي في يدي . ثم أشاح بنظره بعيداً . انتظرت ... لكنه لم يكن يعتزم الاجابة .



قلت أخيراً : (( أظن أنني فهمت )) .
نظر إلي ... كان تعبيره حزيناً ... باكياً : (( حتى أقوانا جميعاً يسقط ... هذا حالنا! ))



(( ما الذي تطلبه مني ؟ هل تطلب إذني ؟)) ... خرج صوتي أكثر حدة مما أردت . حاولت جعله أكثر لطفاً ... يجب أن أعرف كم يكلفه هذا الصدق من عناء ... (( أقصد ... ألا يوجد أمل ؟)) ... يالهدوئي عندما أتحدث عن موتي !



انسحق فؤاده : (( لا، لا! ... ثمة أمل طبعاً ! أقصد أنني بالتأكيد لن ... )) ترك جملته معلقة هكذا . نظر إلي بعينين ألهبتا عيني : (( الأمر مختلف بالنسبة لنا . أما إيميت ... كانوا غرباء قابلهم مصادفة . كان هذا منذ وقت بعيد ... لم يكن قد ... تدرب ولم يكن حذراً كما هو الان )) .



صمت يراقبني متوتراً بينما رحت أفكر في كلامه .
(( لو تقابلنا ... أوه ... في زقاق مظلم أو في مكان من الاماكن ... ))
آثر الصمت .



(( استخدمت كل طاقتي حتى لا أقفز في ذلك الصف المليء بالاطفال و ...)) صمت فجأة ونظر بعيداً .... (( عندما مررت بجانبي كان يمكنني ... هناك ... في تلك اللحظة ... تدمير كل ما بناه كارلايل لنا . لو لم أكن أتجاهل عطشي مدة ... سنوات كثيرة جداً ، لما تمكنت من كبح نفسي )) .



صمت عابساً يحدق في الاشجار .
نظر إلي نظرة قاتمة ... تذكرنا تلك اللحظة معاً : (( لابد أنك ظننتني ممسوساً )).
(( لم أستطع فهم السبب . لم أفهم كيف كرهتني بهذه السرعة ...!))
(( كنت بالنسبة لي مثل شيطان جاء من جحيمي حتى يدمرني . كان العبير المنبعث من جلدك ... ظننت أنه سوف يجعلني مجنوناً منذ ذلك اليوم الاول . في تلك الساعة فكرت في مئات الطرق من أجل جعلك تخرجين من الغرفة معي ... من أجل الانفراد بك . لكني حاربت تلك الافكار واحدة بعد أخرى ... فكرت في أسرتي وفي أثر ذلك عليهم . كان علي أن أسرع بالخروج ، أن أبتعد قبل أن أقول الكلمات التي تجعلك تتبعيني ... ))



في تلك اللحظة نظر إلى تعبير وجهي المترنح عندما رحت أحاول امتصاص ذكرياته المرة . كانت عيناه حارقتين من تحت أهدابه ... مخدرتين ... مميتتين .


قال : (( لو قلتها لسرت ورائي!))
حاولت أن أتكلم بهدوء : (( من غير شك )) .



خفض عينيه إلى يدي فحررني من سطوة تحديقه : (( ثم ... عندما حاولت تغير مواعيد الدروس في محاولة عقيمة لتجنبك ... رأيتك هناك ... في تلك الغرفة الصغيرة الدافئة المغلقة ... كانت الرائحة تبعث في الجنون . في تلك اللحظة كنت قريباً جداً من اختطافك ... لم يكن في الغرفة إلا إنسان ضعيف واحد ... كان التعامل معه سهلاً جداً ))



ارتجفت في تلك الشمس الدافئة ... رأيت ذكرياتي من جديد عبر عينيه هو ... لم أستوعب الخطر إلا الان . مسكينة الانسة كوب! ...
ارتجفت من جديد عندما عرفت كم اقتربت من التسبب بموتها دون قصد مني .



(( لكنني قاومت . لست أدري كيف! أجبرت نفسي على عدم انتظارك ... على عدم اللحاق بك عند الخروج من المدرسة . عندما خرجت من المدرسة صار التفكير أسهل لانني لم أعد أشم شيئاً ... صار اتخاذ القرار الصحيح أكثر سهولة . تركت إخوتي قرب بيتنا ... كان خجلي من ضعفي أشد من أن يسمح لي بإخبارهم ... لم يعرفوا إلا أن ثمة شيئاً سيئاً جداً حدث معي ... عند ذلك ذهبت فوراً إلى كارلايل في المستشفى لاخبره أنني سأرحل )) .



حدقت فيه بدهشة .



(( استبدلت سيارته بسيارتي ... كان خزان سيارته مليئاً بالوقود ... ولم أكن أرغب في التوقف أبداً .لم أجرؤ على الذهاب إلى البيت ... على مواجهة إيزمي . لم تكن لتسمح لي بالذهاب دون مشكلة . بل كانت ستحاول إقناعي بأنه ليس من الضروري ...! ))



تابع كلامه كمن يحس بالعار ... كما لو كان يعترف بجبنه الشنيع : (( صرت في ألاكسا صباح اليوم التالي . أمضيت هناك يومين مع بعض معارفي القدامى ... لكنني حنيت إلى دياري . كرهت نفسي لعلمي بأنني أحزنت إيزمي ... والجميع ... جميع أفراد أسرتي بالتبني . في هواء الجبال النقي هناك كان صعباً علي تصديق أنك مستحيلة المقاومة إلى هذه الدرجة . أقنعت نفسي أن أهرب جبن . لقد تعرضت للاغراء من قبل ... ليس بهذا الحجم ... ولا بهذه الشدة ... لكنني كنت قوياً . فمن أنت بالنسبة لي في تلك اللحظة ... مجرد فتاة صغيرة لا أهمية لها )) ...



ابتسم فجأة ... (( من أنت حتى تطردينني من المكان الذي أريد البقاء فيه ؟ لذلك عدت ... )) راح يحدق في السماء .



لم أستطع الكلام .



(( لقد اتخذت احتياطاتي . ذهبت إلى الصيد وغذيت نفسي أكثر من المعتاد قبل أن أراك مرة ثانية . كنت واثقاً من أنني صرت قوياً إلى حد يسمح لي بمعاملتك مثل أي بشري آخر . كنت مغروراً بتلك القوة ... ثم أتت مشكلة جديدة لا شك فيها وهي أنني لم أتمكن من قراءة أفكارك ببساطة حتى أعرف رد فعلك تجاهي . لم أكن معتاداً على الاضطرار إلى اللجوء إلى طرق جانبية مثل الاستماع إلى أفكارك من خلال عقل جيسيكا ... ليس عقلها أصيلاً ... كان يزعجني اضطراري إلى هذا التنازل . بعد ذلك لم أعد أعرف إن كنت تعنين ما تقولين . كان ذلك مربكاً ومزعجاً )) . كان عابساً لتلك الذكريات . ..



(( أردت أن أنسيك سلوكي في اليوم الاول ... إن أمكن ... لذلك حاولت أن أتكلم معك مثلما أتكلم مع أي شخص . الواقع هو أنني كنت في شوق إلى الكلام معك أملاً في الوصول إلى بعض أفكارك . لكنك أثرت اهتمامي أكثر مما توقعت ... وجدت نفسي عالقاً في تعابير وجهك ... وكنت ، من لحظة لأخرى ، تحركين الهواء بيدك أو بشعرك فيذهلني العبير من جديد ... ))



(( بعد ذلك ... طبعاً ... رأيتك توشكين على الموت أمام عيني عندما كادت تسحقك تلك السيارة . فكرت فيما بعد بعذر ممتاز يفسر تصرفي كما تصرفت في تلك اللحظة ... لو لم أنقذك ... لو سفح دمك أمامي هناك ... لا أظن أنني كنت سأتمكن عن منع نفسي من كشف حقيقتنا جميعاً . لكنني لم أفكر في هذا العذر إلا بعد ذلك . أما في تلك اللحظة فقد كان كل ما استطعت التفكير فيه هو " ليس هي!" )) .



أغمض عينيه غارقاً في اعترافاته المعذبة . كنت أصغي بتوق ... دون أي عقلانية . كان المنطق السليم يقول إن علي أن أخاف . لكنني شعرت بالراحة لاني فهمت أخيراً . ملأني التعاطف مع عذابه ، حتى الان ... في هذه اللحظة عندما كان يعترف بالتوق إلى قتلي .



تمكنت من النطق أخيراً مع أن صوتي كان خافتاً : (( في المستشفى ؟ ))



استقرت عيناه على عيني : (( شعرت بالذعر ! لم أصدق أنني عرضت أسرتي إلى الخطر ... أنني جعلت نفسي تحت تصرفك أنت دون جميع البشر ... كأنني كنت بحاجة إلى دافع آخر حتى أقتلك )) . أجفلنا معاً عندما خرجت تلك الكلمات من فمه ... تابع مسرعاً : (( لكن المفعول كان عكسياً . تشاجرت مع روزالي وإيميت وجاسبر عندما قالوا إن الوقت حان ... كان ذلك أسوأ شجار بيننا على الاطلاق . أما كارلايل وأليس فوقفا بجانبي )) ... كشر عندما نطق اسمها ... لم أعرف السبب ...
(( قالت لي إيزمي أن أفعل كل ما يلزم حتى أبقى معهم )) ... هز رأسه بأسى .



(( وفي اليوم التالي رحت أصغي إلى أفكار جميع من رأيتك تتحدثين معهم فصدمت عندما فهمت أنك حافظت على وعدك . لم أفهمك أبداً . لكنني كنت أعرف أنه لا يجوز لي التورط كعك أكثر من ذلك . بذلت كلم ما في وسعي حتى أبتعد عنك إلى أقصى حد ممكن . لكن ... في كل يوم ... كان عطر جلدك وتنفسك ... كان يفعل بي مثلما فعل في اليوم الاول )) .



نظر في عيني من جديد ... كانت عيناه حنونتين عطوفتين إلى حد مفاجئ ... (( رغم ذلك كله ... كان أسهل ... لو أنني فضحت نفسي وأسرتي كلها منذ اللحظة الاولى ... من أن أؤذيك الان ... دون شهود ودون وجود ما يمكن أن يوقفني )) .



كنت بشرية إلى حد جعلني أقول : (( لماذا؟))



قال : (( إيزابيلا !)) ... لفظ اسمي كاملاً بانتباه وتركيز ، ثم عبثت يده الحرة بشعري . سرت في جسدي رعشة بفعل هذه اللمسة الخاطفة ...



(( بيلا! لا أستطيع تحمل نفسي إن آذيتك . أنت لا تعرفين كيف يعذبني ذلك )) ... أطرق من جديد شاعراً بالعار لضعفه ... (( إن فكرة رؤيتك هامدة ، بيضاء ، باردة ... عدم رؤية وجهك يحمر من جديد ... عدم رؤية لمعة الحدس في عينيك عندما تخترقين ما أتظاهر به ... كل هذا لا أستطيع احتماله )) . رفع عينيه الرائعتين المعذبتين إلى عيني ... (( أنت أهم شيء عندي الان . أهم شيء في حياتي كلها )) .



دار رأسي لسرعة تغير اتجاه حديثنا ... بعد الحديث المبهج عن موتي الوشيك رحنا فجأة نكشف مافي قلوبنا . كان ينتظر ... عرفت أن عينيه الذهبيتين تنظران إلي رغم أنني كنت مطرقة أنظر في يدينا المستقرتين بيننا .



قلت أخيراً : (( أنت تعرف شعوري طبعاً ! ... أنا هنا ... وهذا يعني ، بترجمة تقريبية ، أنني أفضل الموت على أن أكون بعيدة عنك )) ...
قطبت وجهي ... (( أنا حمقاء!))



قال ضاحكاً : (( أنت حمقاء فعلاً ! )) ... التقت أعيننا فضحكت أنا أيضاً . ضحكنا معاً لحماقة هذه اللحظة ولا ستحالتها المطلقة .



تمتم قائلاً : (( وهكذا وقع الاسد في حب الخروف ... )) نظرت بعيداً ... خبأت عيني مذهولة لتلك الكلمة .
تنهدت : (( ياللخروف الاحمق !))
(( و يا للاسد المازوشي المريض !)) ... حدق لحظة طويلة في الغابة التي تلفها الظلال فرحت أتساءل عن أفكاره ... إلى أين تأخذه؟
(( لماذا...؟ )) بدأت الكلام لكنني توقفت فلم أكن أعرف كيف أكمله .
نظر إلي وابتسم . كانت أشعة الشمس تتلألأ في وجهه وفي أسنانه .
(( ماذا؟))
(( قل لي ... لماذا هربت مني قبل قليل ؟ ))
خبت ابتسامته : (( تعرفين لماذا!))
(( لا! أقصد ... ما الذي أخطأت فيه تحديداً ؟ يجب أن أكون حذرة كما ترى . لذلك يجب أن أبدأ معرفة ما علي تجنب فعله ... هذا مثلاً !)) ... داعبت ظهر يده ... (( لا بأس بهذا كما يبدو لي !))



ابتسم من جديد : (( لم تخطئي في شيء يا بيلا ... الذنب ذنبي )) .
(( لكنني أريد مساعدتك ... اذا استطعت ... حتى لا أجعل الامر أكثر صعوبة عليك )) .
(( طيب!)) ... فكر لحظة ثم قال : (( إنه قربك الشديد مني . معظم البشر يبتعدون عنا ... بالغريزة ... بسبب غرابتنا ... لم أتوقع اقترابك مني إلى هذا الحد . ثم رائحة أنفاسك !)) ... كف عن الكلام ثم نظر إلي ليرى إن كان أزعجني .



قلت بصبر نافذ محاولة تخفيف التوتر الذي حل فجأة : (( إذن، ... لا تريد أن أعرضك لرائحة أنفاسي !))



لقد نجح ذلك ... ضحك وقال : (( لا! حقاً! كنت أقصد المفاجأة أكثر من أي شيء آخر )) .



رفع يده الحرة ووضعها برفق على رقبتي . جلست بهدوء شديد ... كانت برودة يده شيئاً طبيعياً ... أما حرارتها فهي ما يجب أن أخاف منه . لكني لم أشعر بالخوف أبداً ... حلت محله مشاعر أخرى ... قال : (( هل ترين ! لا بأس في هذا أبداً )) .



كان دمي يغلي ... تمنين لو كنت أستطيع تهدئته قليلاً لانني شعرت أن هذا يجعل كل شيء أكثر صعوبة ... تصاعدت تردد نبضي في عروقي . لابد أنه يستطيع سماعه .



تمتم قائلاً : (( أحب احمرار خديك )) ... حرر يده الاخرى بلطف . سقطت يداي في حظني دون حركة . مسد خدي برقة ثم أمسك بوجهي بين يديه المرمريتين .



همس : (( ابقٍ هادئة تماما! )) ... كما لو أنني لم أكن متجمدة فعلاً .
انحنى نحوي ببطء دون أن يزيح عينيه عن عيني . فجأة ... لكن برقة شديدة ... وضع خده البارد على أسفل رقبتي . كنت عاجزة عن الحركة تماماً ، حتى لو أردت الحركة . رحت أستمع إلى صوت تنفسه الهادئ ... رأيت الشمس والريح تلعبان في شعره البرونزي ... شعره ... الجزء الاكثر بشرية فيه .



انحدرت يداه ببطء شديد إلى جانبي رقبتي . ارتعدت ...فسمعته يلتقط أنفاسه . لكن كفاه لم تتوقفا ... هبطا برقة حتى كتفي ... هناك توقفا .



أزاح وجهه جانباً ... فمس انفه عظم الترقوة وسار عليه حتى ارتاح وجهه فوق صدري ... كان يستمع إلى قلبي .



قال بصوت كالأنين ... (( آه!))



لا أعرف كم بقينا هكذا من غير حركة ... لعلها ساعات . هدأت نبضات قلبي أخيراً لكنه لم يتحرك ليحدثني بل ظل يحتضنني . كنت اعرف أن الامر يمكن أن يبلغ حد الخطر في أي لحظة وان حياتي يمكن أن تنتهي فجأة ... أن تنتهي بسرعة حتى من غير أن أنتبه . لكنني لم أستطع حمل نفسي على الخوف . لم أكن أطيق التفكير في أي شيء إلا في أنه يلمسني .



عند ذلك ... باكراً جداً ... أفلتني . كانت عيناه تفيضان سلاماً .
قال راضياً : (( لن يكون الامر شديد الصعوبة بعد هذا ))
(( وهل كان هذا شديد الصعوبة عليك ؟))
(( ليس بقدر ما توقعت ... ماذا عنك ؟))
(( لا، لم يكن صعباً ... بالنسبة لي )) .
ابتسم لانني ترددت : (( تعرفين قصدي !)) ... فابتسمت .
(( انظري )) ... أخذ يدي فوضعها على خده ... (( هل تشعرين بشدة دفئه؟))
كان خده دافئاً تقريباً ... أما جلده فكان بارداً كالعادة ... لكنني لاحظت لانني كنت ألمس خده ... شيئاً حلمت به دائماً منذ رايته أول مرة ... فهمست : (( لا تتحرك !))



لا يستطيع أحد أن يهدأ مثل إدوارد . أغمض عينيه فصار ساكناً مثل تمثال ... صار مثل منحوتة بين يدي . تحركت أبطأ مما تحرك قبل قليل ... حاذرت أي حركة غير متوقعة . داعبت خده ومررت بأصابعي على أهدابه وعلى تلك الظلال الارجوانية في محجري عينيه . جرت أصابعي على خطوط انفه ... ثم على شفتيه . انفتحت شفتاه تحت أصابعي فأحسست بأنفاسه الباردة عليها ... وددت أن أقترب أكثر حتى أستنشق عبيره من جديد . لكنني تركت يدي تسقط وابتعدت عنه . لم أرد إرهاقه أكثر مما يجب .



فتح عينيه . .. كانتا جائعتين ... لم تكونا جائعتين بطريقة تجعلني اخافهما بل على نحو جعل معدتي تتقلص وأطلق نبض قلبي مدوياً في عروقي من جديد .



همس : (( أتمنى ... أتمنى لو كنت تستطيعين الشعور ... بالاضطراب ... بالارتباك ... كما أشعر . عندها يمكنك أن تفهمي )) .



رفع يده إلى شعري وأزاحه برقة عن وجهي .
قلت همساً : (( حدثني عنه )) .



(( لا أظن أنني أستطيع . لقد قلت لك . ثمة ذلك الجوع ... ذلك العطش ... الذي أشعر به إزاءك ... ذلك المخلوق الشنيع الذي هو أنا .
أظن أنك تستطيعين فهم هذا ... بعض الشيء )) ... ابتسم نصف ابتسامة ... (( بما أنك لست مدمنة مخدرات ... فالأرجح أنك لا تستطيعين تصور الامر تماماً . لكن ... )) لمست أصابعه شفتي لمساً خفيفاً فارتعدت من جديد ... (( ثمة أشكال اخرى من الجوع ... أشكال لا أفهمها ... إنها غريبة بالنسبة لي )) .


(( قد أفهم ذلك أكثر مما تظن )) .



(( لست معتاداً على هذه المشاعر البشرية . هل هي هكذا دائماً؟))



(( من ناحيتي ؟)) توقفت لحظة ... (( لا! أبدا! ... لم أشعر هكذا من قبل )) .





أمسك يدي بيديه ... بدت يداه ضعيفتين جداً بالمقارنة مع قوته .



قال معترفاً : (( لا أعرف كيف يمكن أن اكون قريباً منك ... لا أعرف إن كنت أستطيع )) .





ملت إلى الأمام ببطء شديد ... كانت عيناي متعلقتان بعينيه . وضعت خدي على صدره الحجري ... سمعت صوت تنفسه ... لكنني لو أسمع شيئاً آخر .



قلت مغمضة عيني : (( هذا يكفيني )) .



بحركة بشرية إلى أبعد حد لفني إدوارد بذراعيه وغمر وجهه في شعري .





قلت : (( أنت أفضل مما تظن ... في هذا !))





جلسنا على هذا النحو لحظة أخرى لا نهاية لها ... رحت أتساءلب إن كان غير راغب في الحركة كما كنت . لكنني رأيت ضوء الشمس يختفي ... ورأيت ظلال الغابة تمتد لتلمسنا ... فتنهدت .





(( عليك الذهاب ! ))



(( ظننت أنك لا تستطيع قراءة أفكاري )) .



قال بصوت أظن انني سمعت ابتسامته فيه : (( إنها تصبح أكثر وضوحاً )) .





أمسك بكتفي فنظرت في وجهه . سألني وعيناه تنبضان بالإثارة فجأة : (( هل أستطيع أن أريك شيئاً ؟))



(( تريني ماذا ؟))



(( سأريك كيف أسير عبر الغابة )) ... انتبه إلى تعبيري فتابع يقول : (( لا تقلقي ! ستكونين بأمان تام ... وسوف نصل إلى سيارتك بسرعة كبيرة )) ... ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الماكرة ... كانت جميلة جداً فكاد قلبي يتوقف .





سألته بحذر : (( هل ستتحول إلى خفاش ؟))



أطلق ضحكة أكثر ارتفاعاً من أي ضحكة سمعتها منه : (( كما لو أنني لم أسمع هذا من قبل !)) .



(( نعم! أعرف أنك تسمع هذا دائماً )) .



(( تعالي ... يا جبانة ... تسلقي ظهري )) .





انتظرت لأتأكد إن كان مازحاً أم جاداً ... لكنه كان يعني ذلك فعلاً . ابتسم عندما رأى ترددي ومد يده إلي . قفز قلبي ... صحيح أنه لا يستطيع قراءة أفكاري ، لكن نبض قلبي يفضحني دائماً . ثم ألقاني على ظهره دون أن أقوم بأي جهد تقريباً . وعندما صرت على ظهره شددت عليه بساقي وذراعي شداً يمكن أن يخنق أي إنسان طبيعي ... لكن ذلك كان مثل التعلق بصخرة .





حذرته قائلة : (( أنا أثقل قليلاً من حقيبتك الظهرية )) .



ضحك بصوت عال ... لم أره في تلك الروح المنطلقة من قبل .





فاجأني عندما أمسك يدي فجأة وضغط راحتها على وجهه متنفساً بعمق ثم قال : (( يصبح الامر أسهل فأسهل !)) ... ثم بدأ يجري ... لو كنت شعرت من قبل بخوف من الموت وأنا معه فهو بالتأكيد لا يقارن بخوفي الان .





انطلق عبر الشجيرات الكثيفة المظلمة مثل رصاصة ... مثل شبح . لم يصدر عنه أي صوت ... لم يكن ثمة ما يدل على أن قدميه تلمسان الارض . لم يتغير إيقاع تنفسه أبداً ... ولم يوح ببذل أي جهد ... لكم الاشجار كانت تطير بجانبي بسرعة مرعبة . لم تكن تخطئني إلا بمسافة صغيرة جداً .





منعتني شدة الخوف من إغماض عيني ... لكن هواء الغابة الليلي البارد كان يصفح وجههي فيحرقه . كان إحساسي كمن يخرج رأسه من نافذة طائرة أثناء طيرانها . وشعرت للمرة الاولى في حياتي بدوار السرعة .





ثم انتهى ذلك كله . مشينا عدة ساعات في الصباح حتى نصل إلى مرج إدوارد ... اما الان فوصلنا إلى سيارتي في دقائق قليلة .





جاءني صوته مرتفعاً مستثاراً : (( شيء منعش ... أليس كذلك ؟)) ... ظل واقفاً من غير حراك ينتظر أن أنزل عن ظهره . حاولت ... لكن عضلاتي لم تستجب . ظل ذراعاي وساقاي متشبثان به في حين راح رأسي يدور بشعور مزعج .





قال بصوت قلق الان : (( بيلا!))



همست : (( أظن أنني بحاجة إلى الاستلقاء )) .



(( أوه!... آسف )) ... لكنني لم أستطع الحركة فقلت : (( أظنني بحاجة إلى مساعدتك )) .





ضحك ضحكة هادئة وفك بلطف ذراعي عن رقبته فلم يقاوما قوة يده الحديدية . ثم أدارني حتى واجهته وحملني بين ذراعيه مثل طفل صغير . وقف هكذا لحظة ثم وضعني برفق على العشب .





سألني : (( كيف تشعرين الان ؟))



لم اكن واثقة من شعوري لان رأسي كان يدور دوراناً مجنوناً : (( أظن أنني أشعر بدوار )) .



(( ضعي رأسك بين ركبتيك )) .





حاولت أن أفعل ذلك ... أراحني هذا الوضع قليلاً .رحت أتنفس ببطء دون أن أحرك رأسي أبداً . شعرت به يجلس قربي . مرت اللحظات ... ثم شعرت أنني أستطيع أن أرفع رأسي ... كان في أذني صوت طنين .





قال مازحاً : (( أعتقد انها لم تكن فكرة جيدة !))



حاولت أن أكون إيجابية . لكن صوتي خرج واهناً : (( لا! كان الامر مثيراً جداً )) .



(( هاه! أنت بيضاء مثل شبح ... بل أنت الان بيضاء ... مثلي !))



(( أظن أنه كان من الافضل أن أغمض عيني )) .



(( تذكري هذا في المرة القادمة ))



قلت مفزوعة : (( المرة القادمة!))





ضحك ... ما زال مزاجه طيباً ... همست : (( اذهب عني!))



قال بهدوء شديد : (( افتحي عينيك يابيلا!))





فتحت عيني فرأيته هناك ... كان وجهه شديد القرب من وجهي . شوش جماله عقلي ... هذا كثير جداً ... كثير ... لا أستطيع الاعتياد عليه .





(( عندما كنت أجري ... كنت أفكر ... )) صمت قليلاً .



(( آمل أنك كنت تفكر في عدم الاصطدام بالاشجار !))



ابتسم : (( كفاك سخافة يابيلا! ... الجري جزء من طبيعتي ... وهو ليس شيئاً يستلزم التفكير )) .





تمتمت من جديد : (( اذهب عني!)) ... فابتسم وتابع : (( لا! ... كنت أفكر في ثمة شيئاً أريد أن أجربه )) ... قال هذا وأمسك بوجهي بين يديه .





لم أستطع التنفس ...



تردد . لا بالطريقة الطبيعية ... بالطريقة البشرية . ليس كما يتردد رجل قبل أن يقبل امرأة ... حتى يقدر رد فعلها ... حتى يتوقع كيف تستقبل حركته ... بل ربما من أجل إطالة تلك اللحظة ... تلك اللحظة المثالية من الترقب التي هي أفضل من القبلة نفسها .





كان إدوارد يتردد ليختبر نفسه ، ليرى إن كان هذا آمناً ... ليتأكد من أنه ما زال مسيطراً على حاجته تلك .





ثم ... انطبعت شفتاه الباردتان الرخاميتان على شفتي برقة شديدة . أما ما لم يكن أحد منا يتوقعه فهو رد فعلي أنا ... على دمي تحت جلدي ... شعرت به حاراً في شفتي ... صار تنفسي أنيناً مجنوناً . شبكت أصابعي في شعره وجذبته إلي . انفرجت شفتاي ورحت أستنشق أنفاسه .





سرعان ما أحسست به يتحول إلى حجر دون استجابة تحت شفتي . وبرقة ... لكن بقوة لا تقاوم ... دفعت يداه وجهي إلى الخلف . فتحت عيني فرأيت تعبير وجهه المتنبه الحذر .





همست : (( يا للأسف !))



(( هذا أقل ما يقال )) .





كانت عيناه مجنونتين ... شد على أسنانه بضبط نفس شديد ... لكنه لم يتحرك أبداً . ظل ممسكاً وجهي بين يديه ... زاغت عيناي .





(( هل يجب أن ....؟))... حاولت تحرير نفسي ... حاولت إعطاءه فسحة أكبر!





لم تسمح يداه لي بأي حركة .



(( لا! ... أستطيع تحمل ذلك . انتظري لحظة من فضلك )) ...جاءني صوته مضبوطاً ... مهذباً .





ظلت عيناي معلقتان بعينيه ... رحت أراقب ذلك الجنون فيهما وهو يتلاشى ويستقر .





ابتسم ابتسامة خبيثة على نحو مفاجئ وقال : (( هكذا!)) ... كان مسروراً من نفسه على نحو واضح جداً .





سألته : (( تستطيع التحمل ؟))



ضحك بصوت عال : (( أنا أقوى مما ظننت ... لطيف أن أعرف هذا )) .



(( ليتني أستطيع أن أقول ذلك عن نفسي ... آسفة!))



(( انت لست إلا إنسان...))



قلت بصوت فظ : (( شكراً جزيلاً!))





وقف على قدميه بحركة سريعة لا تكاد ترى . مد يده إلي بحركة لم أتوقعها ... لقد أعتدت أكثر مما ينبغي على حرصنا الدائم على عدم التلامس . أمسكت بيده الباردة ... كنت بحاجة إلى المساعدة أكثر مما توقعت . لم أستعد توازني بعد .





(( هل ما زالت تشعرين بالدوار بسبب الجري ؟ أم أن هذا بسبب خبرتي الكبيرة في التقبيل ؟)) ... كم بدا ظريفاً ... بشرياً ... عندما ضحك الان ... لم يبد أي اضطراب على وجهه الملائكي . إنه إدوارد مختلف عن إدوارد الذي أعرفه ... شعرت أنه يسكرني أكثر من ذي قبل . كم هو مؤلم أن أبتعد عنه الان .





أفلحت أخيراً في الرد : (( لا أعرف ! ... ما زال رأسي يدور )) .



(( أظن أن الامر مزيج من السببين معاً )) .



(( لعل من الافضل أن أقود السيارة !))



قلت محتجة : (( هل أنت مجنون ؟))



قال مناكفاً : (( أستطيع قيادة السيارة أفضل منك ... حتى في أحسن أحوالك ... ردود أفعالك بطيئة جداً )) .



(( هذا مؤكد ... لكنني لا أظن أن أعصابي تستطيع احتمال قيادتك ... وليس سيارتي )) .



(( بعض الثقة يا بيلا ... من فضلك )) .





كانت يدي في جيبي تمسك مفتاح السيارة بإحكام شديد . ضغطت على شفتي ... كنت مصممة .. ثم هززت رأسي بابتسامة حازمة : (( أبداً ! لا يمكن أبداً )) .





ارتفع حاجباه ... كان غير مصدق .





مشيت حتى التف حوله وأذهب إلى مقعد السائق . ولعله كان ليدعني أمر لو لم أترنح قليلاً ... أو لعله لم يكن ليدعني أمر ! صارت ذراعاه طوقاً حول خصري ... طوق لا فكاك منه .





(( بيلا! ... لقد بذلت منذ قليل جهداً كبيراً حتى تظلي حية . لن أتركك تقودين سيارة وأنت غير قادرة على المشي . كما أن الصديق لا يترك صديقه يقود السيارة اذا كان ثملاً !)) ... قال هذا بضحكة صغيرة .





شممت تلك الرائحة الحلوة حلاوة لا تقاوم تنبعث من صدره ... قلت محتجة : (( هل أنا ثملة؟))





ابتسم ابتسامته الخبيثة اللعوب من جديد : (( أنت ثملة بوجودي !))



تنهدت : (( لا أستطيع مجادلتك في هذا )) ... كان الامر عقيماً ... ما كنت أستطيع مقاومته في أي شيء . رفعت المفتاح عالياً ثم تركته يسقط ورأيت يده تمتد كالبرق فتلتقطه من غير صوت .





(( على مهلك ... سيارتي مواطنة عجوز!))



قال : (( صحيح تماماً !))



سألته بانزعاج : (( ألم تتأثر أبداً ... بوجودي ؟))





تغيرت قسمات وجهه من جديد وصار تعبيره لطيفاً دافئاً . لم يجبني في البداية ... اكتفى بأن قرب وجهه من وجهي ومر بشفتيه بطيئاً فوق حنكي ... من أذني حتى ذقني ... جيئة وذهاباً ... فارتجفت .





همس أخيراً : (( رغم ذلك ... ردود أفعالي أفضل من ردود أفعالك )) .
















عدل سابقا من قبل Miss cute في الخميس يوليو 22, 2010 9:28 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 22, 2010 9:04 am

الجزء الرابع عشر




مقاومة ذهنية





إنه ماهر في قيادة السيارة .... عندما يبقى ضمن حدود السرعة المقبولة .... علي الإقرار بهذا . لم تكن القيادة تتطلب منه أي جهد ... مثل أشياء كثيرة غيرها . لم يكن ينظر إلى الطريق إلا لماماً ، لكن السيارة لم تنحرف ... ولا سنتيميتراً واحداً ... عن وسط الطريق ، كان يقود بيد واحد ... وبيده الأخرى كان ممسكاً يدي فوق المقعد . يحدق أحياناً في الشمس الغاربة ... ويحدق في عيني أحياناً .... في وجهي وفي شعري المتطاير بسبب النافذة المفتوحة ... كان كفانا متشابكين .




فتح الراديو على إذاعة تبث أغنيات قديمة ... وراح يغني مع أغنيات لم أسمعها من قبل . كان يعرف الكلمات تماماً . سألته : (( هل تحب موسيقى الخمسينات ؟))



(( كانت موسيقى المسينات جيدة ... أفضل بكثير من الستينات ، أو السبعينات ... أوف!)) ... ابتسم ... (( كانت الثمانيات مقبولة )) .



سألته عفوياً ... لم أكن أريد إفساد مزاجه المرح المتوثب : (( هل ستخبرني كم عمرك؟))
ابستم : (( وهل هذا مهم كثيراً ؟)) ... أراحتني ابتسامته ... لم يضطرب مزاجه .



(( لا! لكن السؤال يلح علي ... )) كشرت قليلاً ... (( لا شيء يستطيع حرمانك من النوم مثل الأسئلة التي لا تعرف إجابتها ))



قال كمن يفكر بينه وبين نفسه : (( لا أعرف إن كانت إجابتي مزعجة لك )) ... راح يحدق في الشمس ... مرت دقائق .
قلت أخيراً : (( جربني !))



تنهد ونظر في عيني . بدا كأنه نسي الطريق كله لحظة من الزمن . لابد أنه رأى في عيني شيئاً شجعه . نظر إلى الشمس ... كان ضياء الغروب يتلألأ على جلده مثل شرارات أرجوانية ... ثم تكلم .



(( ولدت في شيكاغو عام 1901 )) . توقف لحظة ناظراً إلي من زاوية عينه . ظل وجهي منتيهاً دون أن يشي بأثر المفاجأة ... ظل صابراً حتى يسمع البقية . ابتسم ابتسامة صغيرة ثم تابع : (( وجدني كارلايل في المستشفى صيف 1918كان عمري 17 عاماً ... وكنت موشكاً على الموت بسبب الحمى الإسبانية )) .



سمعني أعب الهواء رغم أن صوت تنفسي لم يكن مسموعاً لأذني . نظر في عيني من جديد : (( لا أذكر ذلك جيداً ... مضى وقت طويل ... إن الذكريات البشرية تضمحل )) ... تاهت أفكاره وقتاً قصيراً قبل أن يستأنف كلامه : (( أذكر كيف شعرت عندما أنقذني كارلايل . ليس هذا أمراً سهلاً ... ليس شيئاً يمكن نسيانه )) .



(( ماذا عن والديك ؟))
(( توفيا قبل ذلك بسبب المرض نفسه . كنت وحيداً ... لهذا اختارني . لم يكن أحد لينتبه إلى غيابي في حجم الفوضى التي سببها ذلك الوباء )) .
(( كيف ... أنقذك ؟))



مرت ثواني قليلة قبل أن يجيب . بدا لي أنه راح يختار كلماته بعناية .



(( كان ذلك صعباً . كثير منا لا يملك المقاومة اللازمة لذلك . لكن كارلايل كان دائماً أكثرنا إنسانية وأكثرنا عطفاً ... لا أظن أن له مثيلاً في التاريخ كله )) . صمت قليلاً ... (( أما من ناحيتي ... فقد كان الامر مؤلماً جداً ... جداً !))



أدركت من إطباقة شفتيه أنه لن يضيف شيئاً في هذا الموضوع . كتمت فضولي رغم شدته . لدي أشياء كثيرة أفكر فيها فيما يخص هذا الامر تحديداً ... أمور بدأت الان تخطر ببالي . لا شك في أن ذهنه السريع فهم كل مامر بذهني .



قطع صوته الهادئ أفكاري : (( لقد فعل ذلك بسبب إحساسه بالوحدة . عادة ما يكون هذا سبباً في الخيار . كنت الاول في
أسرته ... لكنه وجد إيزمي بعدي بفترة قصيرة . كانت قد سقطت من فوق أحد الجروف ... جاؤوا بها إلى براد الجثث في المستشفى مباشرة ... لكن قلبها ... لا أدري كيف ... كان ما يزال نابضاً )) .



(( لابد إذن أنك كنت تحتضر ... حتى يجعلك ... )) لم أنطق تلك الكلمة أبداً ... ولم أستطع التفوه بها الان .



(( لا! ... إيزمي فقط ... لن يفعل كارلايل ذلك بأي شخص إن كان أمامه فرصة أخرى)) . كان في صوته أحترام عميق لأبيه كلما تحدث عنه ... (( يقول إن الامر يصبح أسهل عندما يكون الدم ضعيفاً )) . نظر إلى الطريق الذي صار مظلماً الان فشعرت من جديد أنه ينهي الحديث .



(( ماذا عن إيميت وروزالي؟))



(( جلب كارلايل روزالي إلى أسرتنا بعدنا . لم أدرك إلا بعد وقت طويل أنه كان يأمل في أن تكون بالنسبة لي كما هي إيزمي بالنسبة له ... كان شديد الانتباه فيما يخصني . لكنها لم تكن أبداً أكثر من أت لي . وبعد سنتين من ذلك كانت هي من وجد إيميت . لقد كانت تصطاد ... كنا في أبلاتشيا في ذلك الوقت ... فوجدت دباً يوشك أن يقتله . حملته وعادت به إلى كارلايل ... أكثر من مئة ميل ... خافت أن لا تستطيع إنجاز ذلك بنفسها . الان فقط صرت أعرف كم كانت تلك الرحلة شاقة عليها )) ... ألقى نظرة حادة باتجاهي ثم رفع يدينا المتشابكتين فمسد خدي بظهر يده .



قلت وأنا أبعد نظري عن جمال عينيه الذي لا يقاوم : (( لكنها نجحت في حمله )) .
تمتم : (( نعم ! ... لقد رأت في وجهه ما جعلها قوية بالقدر الكافي . إنهما معاً منذ ذلك الوقت . وهما يقيمان أحياناً في مكان مستقل عنا ... مثل شخصين متزوجين . لكن ، كلما بدونا في أعين الناس أصغر سناً كلما استطعنا الاقامة لفترة أطول . بدت فوركس لنا مكاناً مثالياً . لذلك انتسبنا إلى المدرسة الثانوية فيها )) . ضحك ... (( أظن أننا سنذهب إلى عرسهما بعد بضع سنوات ، ... من جديد )) .



(( أليس وجاسبر ؟))
(( أليس وجاسبر مخلوقان نادران جداً . لقد نشأ عندهما " وعي " ... هكذا نسميه ... دون معونة خارجية . كان جاسبر ينتمي إلى ... أسرة أخرى ... أسرة من نوع مختلف تماماً . لكنه أصيب بالاكتئاب فترك أسرته وراح يتجول وحيداً . وجدته أليس ... إن لديها ... مثلي ... مواهب أخرى تتجاوز ما هو مألوف في جنسنا )) .



(( حقاً! )) ... قاطعته مسحورة ... (( لكنك قلت إنك الوحيد الذي يستطيع سماع أفكار الاخرين )) .



(( هذا صحيح . إنها تعرف أشياء أخرى . إنها " ترى " الاشياء ... الاشياء التي يمكن أن تحدث ... الاشياء التي توشك أن تحدث . لكن هذا أمر ذاتي إلى أبعد حد . ليس المستقبل مصنوعاً من حجر . يمكن للامور أن تتغير )) .



شد على أسنانه عندما قال هذا . نظرت عيناه إلي ثم ابتعدتا سريعاً ... لا أعرف إن كنت رأيت ذلك أم تخيلته !



(( وما نوع الاشياء التي تراها ؟))
(( رأت جاسبر وعرفت أنه يبحث عنها حتى قبل أن يعرف ذلك . رأت كارلايل وأسرتنا ثم جاءا معاً للعثور علينا . إن حساسيتها أكبر إزاء غير البشر . فهي مثلاً ترى دائماً اقتراب أي مجموعة أخرى من جنسنا نحن . وترى الخطر الذي يمكن أن تمثله تلك المجموعة )) .



فوجئت فسألته : (( هل يوجد كثير ... من جنسكم ؟)) ... كم يمكن أن يوجد بيينا منهم دون أن نعرف ؟



(( لا! لسنا كثراً . لكن أكثرنا لا يقيم في مكان واحد أبداً . فقط من هم مثلنا ... من أقلعوا عن أصطيادكم ، معشر البشر )) ... ألقى نظرة في اتجاهي (( ... يستطيعون العيش مع البشر لأي فترة من الزمن . لم نعثر إلا على أسرة أخرى مثل أسرتنا في قرية ضغيرة في ألاسكا . عشنا مع تلك الاسرة بعض الوقت ... لكن عددنا كان كبيراً إلى حد يمكن أن يلفت الانظار . أما بني جنسنا ممن يعيشون ... بطريقة مختلفة ... فهم يتجمعون معاً )) .
(( والاخرون ؟))
(( إنهم رحل معظم الوقت . كنا جميعنا نحيا حياة ارتحال بعض الوقت . لكن ذلك صار أمراً متعباً مثل أي شيء آخر . مع ذلك ، نصادف بعض الاخرين من وقت لاخر لان أكثر بني جنسنا يفضلون المناطق الشمالية )) .
(( لماذا؟))



كنا نقف أمام منزلي الان . كان قد أطفأ محرك السيارة . كانت الظلمة شديدة والهدء يلف المكان ... لم يظهر القمر . كان الضوء أمام المنزل مطفأ فعرفت أن والدي لم يعد بعد .



(( هل كانت عيناك مفتوحتين هذا اليوم ؟ هل تعتقدين أنني أستطيع أن أسير في الشارع تحت نور الشمس دون أن أسبب حوادث مرور ؟ ثمة سبب لاختيارنا شبه جزيرة أولمبيك ، فهي إحدى أقل المناطق شمساً في العالم كله ... لطيف أن يستطيع المرء الخروج نهاراً . لا يمكنك تخيل كم يتعب المرء ويمل من الليل بعد أكثر من ثمانين عاماً!))
(( هذا إذن سبب ما تقوله الاساطير عنكم ؟ ))
(( على الارجح )) .
(( وهل أتت أليس من أسرة أخرى مثل جاسبر ؟))
(( لا! ... هذا لغز! لا تتذكر أليس حياتها البشرية إطلاقاً . وهي لا تعرف من أين جاءت وكيف حصل لها ما حصل . أفاقت فوجدت نفسها وحيدة . لا تعرف من الذي أيقظها ... ولا أحد منا يفهم كيف استطاع ذلك ... أو لماذا فعل ذلك . لو لم تكن لديها الحاسة الاضافية ، ولو لم تر جاسبر و كارلايل وتعرف أنها ستكون واحدة منا ذات يوم ... لكانت ، على الارجح ، تحولت إلى مخلوق متوحش تماماً)) .



إن لدي الكثير مما يجب أن أفكر فيه ... لدي كثير من الاسئلة التي أريد طرحها . لكن معدتي بدأت تتقلص وتصيح ... ياللحرج ! كنت مشغولة البال تماماً ولم ألاحظ شدة جوعي .



(( آسف ! لقد أخرتك عن الغداء)) .
(( أنا بخير ... فعلاً !))
(( لم أمض من قبل هذا الوقت كله مع شخص يأكل الطعام ... لقد نسيت !))
(( أريد البقاء معك )) ... كان قول ذلك في الظلمة أسهل مع أني عرفت ... عندما نطقت ، أن صوتي سيفضحني ... سيفضح إدماني عليه .
سألني : (( ألا أستطيع الدخول ؟))
(( وهل تريد ذلك ؟)) ... لم أتخيل الامر ... هذا المخلوق السماوي جالساً في كرسي أبي العتيق في المطبخ .



(( نعم ... اذا رأيت ذلك مناسباً )) . سمعت باب السيارة ينفتح بهدوء . وف اللحظة عينها تقريباً رأيته يقف عند بابي ... فتحه حتى أنزل .



امتدحته : (( هذا تصرف بشري جداً!))
(( إنه يظهر من حين لاخر ... رغم إرادتي )) .



مشى بجانبي في الظلام . كان خطوه هادئاً جداً حتى اضطررت إلى الالتفات إليه من حين لاخر لاتأكد من أنه بجانبي . كان يبدو أكثر طبيعية بكثير في الظلام . كازال شاحباً ، ومازال جميلاً كأنه حلم ، لكنه لم يعد ذلك المخلوق المتلألى العجيب الذي رأيته في شمس بعد الظهيرة .



بلغ الباب قبلي ففتحه . وقفت في الباب وسألته : (( ألم يكن الباب مقفلاً ؟))
(( نعم! استخدمت المفتاح المخبأ تحت الافريز)) .



دخلت ، وأشعلت الضوء ، ثم استدرت لانظر إليه مستغربة ... كنت واثقة من أنني لم أستخدم المفتاح في حضوره .



(( كنت قلقاً عليك!))
(( هل كنت تتجسس علي؟)) .... لكنني ... لا أدري لماذا ... عجزت عن جعل صوتي يحمل الكمية المناسبة من الغضب ... شعرت بالاطراء .
قال متبرماً: (( وماذا أفعل في الليل ؟ ))



تركت الامر ومضيت عبر الصالة باتجاه المطبخ . كان هناك قبلي من غير حاجة إلى من يدله على الطريق . جلس في الكرسي الذي حاولت تصوره جالساً فيه . أضاء جماله المطبخ . لم أستطع تحويل نظري عنه إلا بعد لحظة .



حاولت التركيز على إعدادا طعامي . أخرجت لازانيا الليلة الماضية من البراد ثم وضعت قطعة منها في صحن ... ووضعت الصحن في المايكرويف . بدأ الصحن يسخن وملأت المطبخ رائحة البندورة والاوريغانو . لم أرفع عيني عن الصحن عندما قلت : (( هل كنت تراقبني كثيراً ؟))



لحظة صمت ، ثم قال (( ماذا؟)) ... بدا كأنني انتزعته من استغراقه في أفكار أخرى .
لم أستدر نحوه : (( هل تأتي إلى هنا كثيراً ؟ ))
(( كل ليلة تقريباً )) .
صحت مدهوشة : (( لماذا؟))
(( شكلك جذاب عندما تكونين نائمة )) ... قالها كأنه يقرر أمراً واقعاً ... (( أنت تتكلمين في نومك )) .



شهقت : (( لا!)) ... غمرت الحرارة وجهي كله . أمسكت بطاولة المطبخ حتى لا أقع . كنت أعرف طبعاً أنني أتكلم في نومي ... كانت أمي تسخر مني بسبب هذا . لكنني لم أظن أن علي أن أقلق لهذا الامر هنا .



ظهرت المعاناة على وجهه فجأة : (( هل غضبت مني ؟ ))
(( هذا متوقف على ... )) شعرت ... وبدوت أيضاً ... كمن انقطعت أنفاسه .
انتظرني بصبر ثم قال يحثني : (( على ماذا ؟ ))
صحت : (( على ما سمعته مني !))



في تلك اللحظة عينها ... بصمت ... صار بجانبي ممسكاً يدي بيده ورجاني : (( لا تنزعجي !)) ... خفض رأسه حتى التقت عينانا ... قبض على نظراتي . شعرت بالاحراج وحاولت تحويل نظري .



قال هامساً : (( أنت مشتاقة إلى أمك ... أنت قلقة عليها . وعندما يهطل المطر يجعلك صوته تتقلبين . كنت تتحدثين عن موطنك كثيراً ، لكن حديثك عنه صار أقل الان . قلت ذات مرة : " الخضرة شديدة جداً هنا ")) ... ضحك برقة آملاً ... كان هذا واضحاً ... في عدم إزعاجي .



قلت : (( أي شيء آخر؟))
كان يدرك قصدي : (( لقد ذكرت اسمي !))
تنهدت وقد شعرت بالهزيمة : (( كثيراً ؟))
(( ما معنى " كثيراً " بالضبط ؟))
رفعت رأسي : (( أوه ... لا! ))



جذبني إلى صدره بلطف ... على نحو طبيعي .
همس في أذني : (( لا تقلقي ... لو كنت أستطيع الحلم لحلمت بك ... لست أخجل من هذا )) .



عند ذلك سمعنا صوت عجلات أمام المنزل ورأينا ضوء السيارة من النوافذ الامامية ... انصب ضوء السيارة علينا ، فتجمدت بين ذراعيه .



سألني : (( هل تريدين أن يعرف والدك أنني هنا ؟ ))
حاولت التفكير بسرعة : (( لست متأكدة ... ))
(( في مرة أخرى إذن ! ... ))



وجدت نفسي وحيدة فهمست : (( إدوارد !)) ... سمعت شبح ضحكة ... ثم لا شيء .



سمعت صوت مفتاح أبي في الباب ... صاح : (( بيلا!)) ... كان صياحه هذا يزعجني ، فمن يمكن أن يكون في البيت غيري ؟ ... لكن فجأة بدا لي الامر غير غريب .



(( أنا هنا !)) ... تمنيت لو أنه لا يسمع النبرة الهيستيرية في صوتي . أخرجت طعامي من المايكرويف وجلست إلى الطاولة قبل أن يدخل المطبخ . بدا صوت خطواته مرتفعاً جداً بعد يومي مع إدوارد .



(( هل تحضرين لي بعضاً من هذا . أنا جائع جداً !)) ... انحنى حتى يخلع حذاءه ... كان يستند بيده إلى ظهر كرسي إدوارد .



أخذت صحني معي ورحت ألتهم الطعام أثناء تحضير طعامه . أحرقت لساني . ملأت كأسين بالحليب ريثما يسخن صحنه . شربت رشفة كبيرة من كأسي حتى أطفىء نار فمي . وعندما وضعت الكأس رأيت الحليب يهتز فيها فعرفت أنني أرتجف . جلس تشارلي في كرسيه ... كان التضاد بين شكله وشكل من كان يجلس في ذلك الكرسي قبله مضحكاً فعلاً .



وضعت الطعام على المائدة ، فقال : (( شكراً )) .
سألته : (( كيف كان يومك ؟ )) ... خرجت الكلمات من فمي متدافعة ... كنت أموت رغبة في الفرار إلى غرفتي .



(( ممتاز ! اصطدنا جيداً ... كيف كان يومك ؟ هل فعلت كل ماكنت تريدين فعله ؟ ))
(( في الحقيحقة لا! ... كان الجو جميلاً جداً فلم أطق البقاء في البيت )) . تناولت لقمة كبيرة من صحني .
قال موافقاً : (( كان يوماً جميلاً حقاً !)) ... قلت في نفسي : بل أكثر من جميل!



أنهيت صحني . وشربت ما بقي في الكأس .
فاجأتني دقة ملاحظة تشارلي عندما قال : (( هل أنت مستعجلة ؟))
(( نعم! أنا متعبة جداً . سآوي إلى فراشي باكراً )) .



لاحظ قائلاً : (( تبدو عليك الاثارة )) ... لماذا! لماذا هو شديد الملاحظة في هذا اليوم تحديداً ؟
(( حقاً !)) ... هذا كل ما أفلحت في قوله . غسلت الصحون بسرعة ثم وضعتها على منشفة حتى تجف .



قال ممازحاً : (( إنه يوم السبت ... غداً عطلة !))
لم أجب بشيء .



سألني فجأة : (( أليست لديك خطط الليلة ؟ ))
((لا! لا يا أبي ... أريد فقط أن أنام قليلاً )) .
(( ألا يعجبك أحد من الاولاد في هذه البلدة ؟ )) ... كان متشككاً، لكنه كان يحاول استدراجي .



(( لا ! لم يلفت نظري أحد من الاولاد حتى الان )) . كنت حريصة على الصدق مع تشارلي لذلك انتبهت حتى لا يؤدي هذا الصدق إلى تشديد زائد على كلمة أولاد .



(( خطر ببالي مايك نيوتن ... سمعتك تقولين إنه ودود معك)) .
(( إنه مجرد صديق يا أبي )) .
(( طيب ! على كل حال أنت أفضل مما يستحقون جميعاً . انتظري حتى تذهبي إلى الجامعة )) ... هذا حلم كل أب ... أن تخرج ابنته من البيت قبل أن يبدأ مفعول الهرمونات !



قلت موافقة : (( هذه تبدو لي فكرة جيدة !)) ... توجهت لاصعد إلى غرفتي .
نادى من خلفي : (( تصبحين على خير يا حبيبتي )) . لاشك في أنه سيصغي بانتباه طيلة المساء منتظراً أن أحاول التسلل خارج المنزل .



(( أراك في الصباح يا أبي )) ... بل أراك متسللاً إلى غرفتي عند منتصف الليل حتى تتفقدني !



أثناء صعودي حاولت جعل خطواتي تبدو بطيئة متعبة . أغلقت باب غرفتي بصوت مرتفع حتى يسمعه ثم سرت إلى النافذة على أطراف أصابعي . فتحتها وانحنيت في ظلمة الليل . جالت عيناي في الظلمة وبين ظلال الاشجار الكثيفة .



همست وأنا أشعر أنني حمقاء تماماً : (( إدوارد !))
جاءني رده الضاحك الهادئ من خلفي : (( ماذا ؟ ))



ذعرت ... فوضعت يدي على حنجرتي لشدة المفاجأة ... كان مستلقياً على سريري بابتسامة كبيرة . كانت يداه خلف رأسه وقدماه بارزتان من حافة السرير ... كان صورة للاسترخاء .



(( أوه!)) ... شهقت وسقطت على الارض .
(( أنا آسف !)) ... ضغط على شفتيه بشدة محاولاً إخفاء ابتسامته .
(( أعطني دقيقة تى يعود قلبي إلى العمل )) .



جلس ببطء حتى لا يجفلني من جديد . ثم انحنى ومد ذراعيه الطويلتين حتى يوقفني . أمسك بأعلى ساعدي كما يمسك رضيعاً ... أجلسني على السرير ... بجانبه .



(( أجلسي بجانبي )) قال هذا ووضع يده الباردة فوق يدي ... (( كيف قلبك الان ؟))
(( قل لي أنت ... أعرف أنك تستطيع سماعه أكثر مني )) .



شعرت بضحكته المكبوتة تهز سريري .



جلسنا لحظة صامتين ... كنا نستمع إلى دقات قلبي تبطئ وقعها شيئاً بعد شيء . فكرت في وجود إدوارد في غرفتي مع وجود والدي في المنزل .



سألته : (( هل تسمح لي بدقيقة حتى أستعيد هيئتي البشرية ؟ ))
(( بالتأكيد !)) ... أشار لي بيده ...
قلت محاولة الظهور بمظهر الغضب : (( ابق هنا!))
(( حاضر سيدتي !)) ... اتخذ مظهر تمثال جالس على حافة السرير .



نهضت فأخذت بيجامتي عن الارض وأخذت حقيبة أدوات الزينة من على الطاولة . تركت الضوء مشتعلاً عندما خرجت من الغرفة وأغلقت الباب .



سمعت صوت التلفزيون صاعداً من الاسفل . صفقت باب الحمام بصوت مرتفع حتى لا يأتي تشارلي فيزعجني بتفقده .



تعمدت الاستعجال . نظفت أسناني بعنف ... حاولت أن أنظفها بسرعة ودقة فأزيل جميع أثار اللازانيا . لكنني لم أستطع استعجال الماء الساخن ... راح الماء ينصب على جسدي يحل عضلات ظهري المتيبسة ويهدئ نبض قلبي . جعلتني رائحة صابوني المألوفة أشعر كأنني كنت الشخص نفسه الذي كنته هذا الصباح . حاولت عدم التفكير في إدوارد الجالس في غرفتي منتظراً ... لان تفكيري فيه سوف يرغمني على العودة إلى تهدئة نفسي من جديد . أخيراً ... لم أعد أستطع التأخر أكثر مما فعلت . أغلقت صنبور الماء ونشفت جسمي مستعجلة من جديد . ارتديت قميص بيجامتي القديم وبنطلونها الرمادي . فات الوقت على الاسف لانني لم أجلب بيجامتي الحريرية التي جاءتني من أمي قبل عامين . مازالت تلك البيجامته كما هي في أحد أدراجي في منزلها .



دعكت شعري بالمنشفة من جديد ثم مشطته بالفرشاة سريعاً . علقت المنشفة وقذفت الفرشاة ومعجون الاسنان في الحقيبة . ثن اندفعت هابطة إلى الاسفل حتى يرى تشارلي أنني لبست بيجامتي واستحممت وأن شعري مبتل .



(( تصبح على خير يا أبي )) .
(( تصبحين على خير يابيلا )) . بدا أن ظهوري فاجأه . لعل ذلك يجعله لا يتفقدني الليلة .



صعدت قافزة كل درجتين معاً ... مع محاولة عدم إصدار صوت ... ثم طرت إلى غرفتي وأغلقت الباب خلفي بإحكام .



لم يتحرك إدوارد قيد أنملة ... كان مثل تمثال لأدونيس فوق لحافي الباهت . ابتسمت فتحركت شفتاه ... دبت الحياة في التمثال .



راحت عيناه تتفحصني ... شعري المبتل ... وقميصي البالي . رفع حاجبه وقال : (( جميل !))
كشرت .
((لا! إنه جميل عليك !))



همست : (( شكراً )) . ثم ذهبت لاجلس بجانبه متربعة فوق السرير .
نظرت إلى الخطوط في الارضية الخشبية .



(( لماذا فعلت ذلك كله ؟))
((يظن تشارلي أنني سوف أتسلل خارج المنزل )) .
(( أوه !)) ... راح يفكر في ذلك ... (( لماذا؟ )) ... وكأنه لا يستطيع معرفة ما في عقل تشارلي أكثر مني !



(( من الواضح أن بعض الاثارة الزائدة كانت تظهر علي )) .
أمسك بذقني ورفعها متفحصاً وجهي : (( الحقيقة أنك دافئة جداً )) .



قرب وجهه ببطء من وجهي واضعاً خده البارد على جلدي ... بقيت هادئة تماماً.



همس : (( همممم... ))



كانت صياغة سؤال متسق صعبة جداً في حين كان يلمسني . أمضيت دقيقة كاملة أحاول التركيز قبل أن أبدأ : (( يبدو الان أن قربك مني صار أسهل بالنسبة لك!))



تمتم : (( هل يبدو لك الامر كذلك ؟)) ... انزلق أنفه حتى زاوية فكي . أحسست بيده ، أخف من جناح فراشة ، تزيح شعري الرطب إلى الخلف حتى تتمكن شفتاه من لمس الفراغ تحت أذني .



قلت محاولة التقاط أنفاسي : (( أسهل ! أسهل كثيراً )) .
(( همممممممم )) .
بدأت من جديد : (( لذلك كنت أتساءل ... )) لكن أصابعه كانت تمر فوق ترقوتي ففقدت تسلسل أفكاري .
همس : (( ماذا ؟))
(( ماسبب ذلك ؟ )) ... اهتز صوتي فشعرت بالحرج ... (( برأيك ؟))
أحسست تذبذب أنفاسه على رقبتي عندما ضحك قائلاً : (( إنها مقاومة ذهنية )) .



انتزعت نفسي ... تجمد عندما تحركت ... لم أعد أسمع صوت نفسه . رحنا نتبادل نظرات حذرة عدة لحظات . ثم ظهر على وجهه تعبير حيرة : (( هل قلت شيئاً خاطئاً؟))
(( لا... بالعكس تماماً . أنت تدفعني إلى الجنون !))



فكر في ذلك لحظة ثم بدا عليه السرور وقل : (( حقاً!)) أضاءت وجهه ابتسامة انتصار .
سألته ساخرة : (( هل تريد أن أصفق لك ؟)) ... فكشر رداً علي .



قال موضحاً : (( إنها مفاجأة سارة بالنسبة لي . في المئة سنة الاخيرة تقريباً ... )) صار صوته مازحاً ... (( لم أتخيل أبداً أي شيء مثل هذا . لم أظن أنني يمكن أن أجد شخصاً أريد أن أكون معه ... بشكل مختلف عن وجودي مع إخوتي وأخواتي . إنها مفاجأة سارة أن أجد، رغم أن الامر جديد علي تماماً ، أنني بارع في هذا ... في أن أكون معك ... ))



قلت : (( أنت باع في كل شيء )) .
ابتسم متغاضياً عما قلت ... ورحنا نضحك همساً .
قلت ملحة : (( لكن كيف يمكن أن يكون الامر بهذه السهولة ؟ ظهر اليوم كنت ... ))
تنهد : (( ليس الامر سهلاً ! لكنني ... اليوم ظهراً ... كنت غير عاقد العزم ... آسف لهذا ... كان سلوكي لا يغتفر )) .



ابستم : (( شكراً!)) ... تابع كلامه مطرقاً برأسه : (( هل تفهمين ؟ لم أكن واثقاً من انني قوي إلى الحد الكافي ... )) أخذ يدي وضغطها على وجهه ... (( عندما كانت تلوح أمامي إمكانية إن أهزم ... )) شم رسغي ... (( كنت في شك من أمري . لكنني قررت أنني قوي إلى الحد الكافي وأن لا احتمال أبداً لان ... لان أستطيع ... ))



لم أره من قبل يكافح هكذا حتى يعثر على الكلمات ... كان هذا ... بشرياً جداً .
(( إذن ، لم تعد هذه الامكانية موجودة الان !))
(( إنها المقاومة الذهنية )) ... كرر ذلك مبتسماً ... كانت أسنانه أكثر التماعاً في الظلمة .
قلت : (( واو! كان ذلك سهلاً ))



ألقى برأسه إلى الخلف وضحك ضحكة هادئة كالهمس ... لكنها مفعمة حيوية .
صحح جملتي وهو يلمس أنفي برأس إصبعه : (( كان سهلاً بالنسبة لك )) .



ثم صار وجهه جاداً تماماً . همس بصوت متألم : (( أنا أحاول ! ... اذا وجدت الامر ... صعباً جداً فأنا واثق من أنني سأكون قادراً على الفراق )) .



عبست ... لم يعجبني كلامه عن الفراق .



واصل كلامه : (( سيكون الامر أكثر صعوبة غداً . رائحتك تملأ رأسي طيلة اليوم ... وقد تعودت عليها بشكل مدهش . أما اذا ابتعدت عنك أي فترة طويلة فسوف يكون علي أن أبدأ من جديد ... ليس من جديد تماماً ... كما أظن )) .



أجبت دون أن أستطيع إخفاء التوق في صوتي : (( إذن، لا تيتعد عني!))
(( هذا سناسبني )) ... ارتاح صوته وبدت فيه ابتسامة ... (( أحضري القيود ... أنا سجينك!)) ... لكن كفيه الكبيرتين أحاطتا بمعصمي مثل القيود أثناء كلامه . ضحك ضحكته الموسيقية الهادئة . لقد ضحك اليوم أكثر مما ضحك طيلة الوقت الذي أمضيته معه من قبل .



قلت : (( تبدو أكثر ... تفاؤلاً من المعتاد ! لم أرك هكذا قبل اليوم )) .
ابتسم : (( أليس هذا ما ننتظره ؟ وهج الحب الاول ... وكل ذلك ... شيء لا يصدق ... كم يختلف أمر القراءة عنه أو رؤيته في الافلام عن تجربته فعلاً ؟))



قلت موافقة : (( إنه اختلاف كبير ... إنه أكثر قوة مما تخيلت )) .
(( مثلاً)) ... صارت كلماته الان تنساب بسرعة وكان علي أن أركز جيداً حتى ألتقطها كلها ... (( مشاعر الغيرة . قرأت عنها مئة الف مرة ، ورأيت ممثلين يؤدونها في ألف مسرحية وفيلم . ظننت أنني أفهم هذه المشاعر بوضوح تام . لكنها صدمتني ... )) كشر قليلاً ... (( هل تذكرين يوم طلب منك مايك الذهاب معه إلى الحفلة ؟))



أومأت برأسي ، لكنني كنت أتذكر ذلك اليوم لسبب مختلف : (( يوم عدت تتكلم معي من جديد!))



(( فوجئت بمشاعر الكره والغضب التي جاءتني ... لم أدركها في البداية . أزعجني أكثر من أي وقت مضى أنني ما كنت قادراً على معرفة أفكارك وفهم سبب رفضك . هل كان ذلك لان جيسيكا صديقتك فقط ؟ هل لديك أحد آخر؟ كنت أعلم أن ليس من حقي أن أهتم بالامر ... كيفما كان . حاولت ألا أهتم )) . ابتسم وقال : (( ثم .. بدأ الامر يتضح )) .



نظرت إليه عابسة في الظلام .
(( انتظرت ... كنت نافذ الصبر إلى حد غير معقول حتى أسمع ما سوف تقولينه لهم ... حتى أراقب تعابير وجهك . لم أستطع إنكار الارتياح الذي شعرت به عندما رأيت الانزعاج على وجهك . لكنني لم أكن واثقاً ... كانت تلك أول ليلة أجيء فيها إلى هنا . بقيت أصارع طيلة الليل . وأنا أراقبك في نومك ، أصارع التناقض بين ما كنت أعرف أنه صحيح وأخلاقي ... وبين ماكنت أريده . كنت أعرف أنني اذا واصلت تجاهلك كما ينبغي ، أو اذا رحلت عدة سنوات ريثما تذهبين من هنا ، فسوف تقولين "نعم " لمايك ذات يوم ... أو لشخص آخر مثل مايك ... وهذا جعلني غاضباً )) .... تابع همساً : (( عند ذلك ، نطقت اسمي في نومك . تكلمت بصوت واضح جداً فظننت أنك مستيقظة . لكنك رحت تتقلبين ونطقتي اسمي مرة ثانية ثم تنهدت . اجتاحني شعور مدوخ ... مذهل . عرفت أنني لم أعد أستطيع تجاهلك أكثر من ذلك )) .



ظل صامتاً عدة دقائق ... لعله يستمع إلى نبضات قلبي التي اضطربت فجأة .



(( لكن الغيرة ... إنها شيء غريب . إنها أقوى بكثير مما تخيلت . وهي شيء غير عقلاني أيضاً ! الان تماماً ... عندما سألك تشارلي عن ذلك الملعون مايك نيوتن ... )) هز رأسه بغضب .



قلت بصوت كالانين : (( كان يجب أن أعرف أنك تصغي )) .
(( طبعاً!))
(( هل جعلك ذلك تشعر بالغيرة حقاً؟))
(( أنا جديد في هذا ... أنت تعيدين إحياء الكائن البشري في داخلي . يبدو كل شيء شديد التأثير لانه جديد )) .



قلت معابثة : (( حتى يزعجك ذلك ... بعد أن سمعتك تتحدث عن روزالي .... روزالي ، تجسيد الجمال الخالص ... بعد أن سمعتك تقول ما الذي تعنيه روزالي بالنسبة لك ... بوجود إيميت أو من غير وجوده ... كيف أستطيع المنافسة .... ؟))



التمعت أسنانه في الظلام : (( لا توجد منافسة !)) ... شد يدي حول ظهره واحتضنني إلى صدره . ظللت هادئة قدر ما استطعت ... بل رحت أتنفس بحذر . غمغمت في صدره البارد : (( أعرف أنه لا توجد منافسة ... هذه هي المشكلة !)) .



(( روزالي جميلة طبعاً ... بطريقتها . لكن حتى اذا لم تكن مثل أختي ، وحتى لو لم يكن إيميت يعني لها شيئاً ، فلن تكون لها عشر جاذبيتك بالنسبة لي ... ولا حتى جزء من مئة من جاذبيتك )) . كان جاداً الان ... وكان يفكر في كلماته ... (( ظللت نحو تسعين سنة أمشي بين بني جنسي ... وبني جنسكم ... كنت أظن طيلة الوقت أنني مكتف بنفسي ... لم أدرك أنني كنت أبحث . لكنني لم أجد أحداً لانك لم تكوني قد ولدت بعد )) .



همست ... ما زال وجهي مستقراً على صدره ... ومازلت أصغي إلى صوت أنفاسه : (( هذا ليس عدلاً ... لم يكن علي أن أنتظر أبداً ... لماذا صادفتك بهذه السهولة ؟))



وافقني بمرح : (( أنت محقة ! ... كان علي بالتأكيد أن أجعل الامر أكثر صعوبة بالنسبة لك )) . حرر إحدى يديه ... لم يترك معصمي إلا ليمسكه بحرص مع المعصم الاخر في يده الثانية . ثم راح بيده الحرة يمسد شعري برقة من قمة رأسي حتى خصري ... (( ليس عليك إلا أن تغامري بحياتك في كل ثانية تمضينها معي ... هذا ليس بالشيء الكثير! ليس عليك إلا أن تديري ظهرك لطبيعتك ... لبشريتك ... ما قيمة هذا؟))



(( قليل جداً !... لا أشعر أنني حرمت من أي شيء ))
(( لم تشعري بعد!)) ... امتلأ صوته فجأة بألم قديم .



حاولت التملص من يديه حتى أرى وجهه . لكن يده كانت تمسك معصمي بإحكام .



(( ماذا... )) بدأت أسأل لكنني شعرت تنبهاً في جسده . تجمدت ... لكنه أطلق يدي فجأة ... واختفى . كدت أقع على وجهي .



همس : (( استلقي )) ... لم أعرف من أين جاءني صوته في الظلام .
اندسست تحت لحافي وتكورت على جانبي كما أنام عادة . سمعت صوت فتح الباب . لقد كان تشارلي ينظر ليتأكد من وجودي . رحت أتنفس بانتظام ... بشكل مبالغ فيه .



مرت دقيقة طويلة . كنت أصغي غير واثقة من سماع صوت إغلاق الباب . ثم شعرت بذراع إدوارد الباردة حولي ... تحت الغطاء ... وأحسست بشفتيه على أذني .



(( أنت ممثلة رهيبة ... إن لك مستقبلاً في التمثيل )) .
همست : (( وما أهمية هذا!)) ... كان قلبي يتحطم في صدري .



راح يدندن أغنية لم أعرفها ... بدت مثل هدهدة الطفل حتى ينام ... توقف قليلاً : (( هل أغني لك حتى تنامي )) .



ضحكت : (( نعم! ... وهل تظن أنني أستطيع النوم وأنت هنا!))
ذكرني : (( أنت تفعلين ذلك كل يوم )) .
أجبت ببرود شديد : (( لم أكن أعرف أنك هنا )) .
(( اذا لم تكوني تريدين النوم ... )) قال هذا كمن يقدم اقتراحاً ... كان يتجاهل برودة نبرتي ... تقطع أنفاسي ...



(( اذا لم أكن أريد انوم ...؟))
ضحك : (( فما الذي تريدين فعله إذن ؟))
لم أستطع الاجابة في البدء ... قلت أخيراً : (( لست واثقة !))
(( أخبريني عندما تقررين )) .



شعرت بأنفاسه الباردة على رقبتي وأحسست بأنفه ينزلق عند فكي ... مستنشقاً.
(( طننت أنك تعودت !))
همس : (( إن مقاومة شرب النبيذ لاتعني عدم استمتاع المء بالوليمة ... لك رائحة مثل رائحة الزهور البرية ... مثل الخزامي أو الفريزيا ... إنها تسيل اللعاب !))



(( نعم ! يكون يوماً غريباً ذلك اليوم الذي لا أجد فيه من يقول لي إن رائحتي تجعله يشتهي أكلي !))



ضحك ... ثم تنهد .
قلت له : (( قررت ما أريد فعله ... أريد أن أعرف المزيد عنك )) .
(( اسألي ما تريدين )) .



رحت أبحث عن السؤال الاكثر أهمية بين أسئلتي : (( لماذا تفعل ذلك ؟ مازلت لا أفهم كيف تستطيع أن تبذل كل هذا الجهد حتى تقاوم ... طبيعتك . لا تسئ فهمي ... أنا سعيدة طبعاً تفعل ذلك ... لكنني لا أفهم ما الذي يجعلك تفعله أصلاً !))



تردد ثم أجاب : (( سؤال جيد! لست أول من يطرحه . إن الاخرين ... أكثرية بني جنسن ممن هم راضون بنصيبنا يستغربون أيضاً كيفية عيش أسرتنا . لكن كوننا ... بهذا الشكل ... لايعني أننا لا نستطيع أن نختار الارتقاء فوق حدود قدرنا الذي لم يرده أحد منا ... أن نقهر هذه الحدود ونحاول حفظ ما نستطيع حفظه من الجوهر البشري فينا ... مهما يكن )) .



رقدت دون حركة ... استحوذ علي الصمت .
همس بعد دقائق قليلة : (( هل نمت؟))
((لا!))
(( هل هذا كل ما تريدين السؤال عنه؟))
فتحت عيني : (( ليس تماماً!))
(( ما الذي تريدين معرفته أيضاً؟))
(( لماذا تستطيع قراءة أفكار الاخرين ... لماذا تستطيع ذلك وحدك فقط ؟ ولماذا تستطيع أليس رؤية المستقبل ... لماذا يحدث هذا؟ ))


أحسست أنه ابتسم في الظلمة : (( لسنا نعرف حقاً! ... إن لدى كارلايل نظرية ... يعتقد أن كلاً منا جلب معه إلى حياته الحالية أقوى ما كان فيه من السمات البشرية . .. ثم تعززت الان .. مثلما تعززت أدمغتنا أو حواسنا . يظن أنني كنت شديد الحساسية لافكار من هم حولي . ويظن أن أليس كان لديها حدس ممتاز ... حيثما كانت ))





(( وما الذي جلبه هو معه من حياته السابقة ؟ وما الذي جلبه الاخرون ؟))





(( جلب كارلايل إحساسه بالاخرين . وجلبت إيزمي قدرتها على الحب العميق . جلب إيميت قوته الجسدية . وجلبت روزالي ... إصرارها الشديد على آرائها ... بيباسة رأسها )) . قال هذا وضحك ... (( أما جاسبر فهو مثير للاهتمام . كان شديد الجاذبية في حياته الاولى . كان قادراً على التأثير في الناس من حوله حتى يروا الامور كما يراها . والان هو قادر على التحكم بمشاعر من يحيطون به ... يستطيع مثلاً تهدئة غرفة ملأى بأشخاص غاضبين أو إثارة حشد خامل بليد . إنها موهبة فريدة )) .





رحت أفكر في هذه المستحيلات التي يصفها محاولة استيعابها . انتظرني بصبر .



(( وأين بدأ ذلك . أقصد ... كارلايل قام بتغييرك ... لابد أن أحداً قام بتغيره هو أيضاً ... وهكذا دواليك .... ))





(( حسناً ! من أين أتيت ؟ التطور والارتقاء ؟ أم الخلق ؟ ألا يمكن أننا نشأنا وتطورنا مثل غيرنا من الاجناس ... مفترسين وطرائد ؟ أما اذا كنت ترين أن هذا العالم ما كان ليوجد من تلقاء ذاته ... هذا ما يصعب علي قبوله أيضاً ... فهل من الصعب الاعتقاد بأن القوة نفسها التي خلقت سمكة الملاك الرقيقة وخلقت القروش ... خلقت الفقمة الصغيرة والحوت القاتل الذي يلتهمنا ... يمكن أن تخلف جنسنا وجنسكم معاً؟ ))





(( دعني أفهم هذا جيداً .... أنا هي الفقمة الصغيرة ، صحيح ؟))



(( صحيح!)) شعرت بشيء يلمس شعري ... هل هي شفتاه ؟





أردت أن أستدير نحوه حتى أرى إن كانت شفتاه على شعري . لكن كان علي أن أتصرف بشكل صحيح . لم أرد أن أجعل الامر أكثر صعوبة عليه .





سألني مقاطعاً جملتي الصامتة : (( هل أنت جاهزة للنوم ؟ أم أن لديك أسئلة أخرى؟))



(( مليون سؤال ... مليونا سؤال ... فقط!))



(( لدينا يوم الغد ... واليوم الذي يليه ... والذي يليه ...)) ابتسمت مبتهجة بتلك الفكرة .



(( هل أنت واثق من أنك لن تختفي في الصباح ؟)) ... أردت أن أتأكد من ذلك ... (( فأنت كائن أسطوري رغم كل شيء )) .





قال بصوت واعد : (( لن أتركك )) .



(( إذن، لدي سؤال آخر لهذه الليلة ... )) قلت هذا واحمر وجهي ... كانت الظلمة في صالحي لكنني عرفت أنه أحس حرارة مفاجئة تحت جلدي .



(( ماهو ؟))



((لا! إنس الامر ... لقد غيرت رأيي )) .



(( بيلا! تستطيعين سؤالي أي شيء)) .





لم أجبه فتنهد : (( أظن دائماً أن انزعاجي من عدم قدرتي على سماع أفكارك سوف يتراجع . لكنه يزداد ويزدادا )) .





(( يسعدني أنك لا تستطيع قراءة أفكاري . يكفيني استماعك إلى كلامي أثناء نومي )) .



(( أرجوك !)) ... كان صوته شديد الاقناع مستحيل المقاومة تقريباً ... لكنني هززت رأسي بالرفض .





قال مهدداً : (( اذا لم تقولي لي فسوف أفترض أن الامر أسوأ مما هو في الواقع ... أرجوك )) ... قالها من جديد بصوت متوسل .





(( طيب !)) ... بدأتت كلامي سعيدة بأنه لا يستطيع رؤية وجهي .



(( ماذا؟))



(( قلت إن روزالي وإيميت سوف يتزوجان قريباً ... هل هو زواج ... كما لدى البشر ؟))





ضحك ضحكة صادقة ... لقد فهمني : (( هل هذا قصدك ؟ ))



تلعثمت غير قادرة على الاجابة .



قال : (( نعم! أعتقد أنه نفس الشيء . قلت لك إن لدينا معظم رغبات البشر ... لكنها محجوبة خلف رغبات أقوى منها )) .



(( أوه!)) .... هذا كل ما استطعت قوله .



(( هل كانت لديك غاية خلف فضولك ؟ ))



(( كنت أتساءل ... عنا ... أنا وأنت .. ذات يوم ... ))





انقلب جاداً على الفور ... عرفت ذلك من السكون المفاجئ في جسده . تجمدت في مكاني أيضاً ... كان رد فعلي تلقائياً .





(( لا أظن أن ذلك ... ذلك ... سوف يكون ممكناً بالنسبة لنا )) .



(( لان الامر سيكون أصعب عليك بكثير اذا كنت ... قريبة منك ... إلى تلك الدرجة ؟))





(( هذه مشكلة طبعاً . لكنها ليست المشكلة التي كنت أقصدها . المشكلة هي أنك طرية جداً ... هشة جداً . علي أن أنتبه إلى حركاتي في كل لحظة أثناء وجودنا معاً حتى لا أسبب لك الاذى . يمكن أن أقتلك بكل سهولة يابيلا ... دون قصد )) . صار صوته همساً لا يكاد يسمع . وضع يده الباردة على خدي ... (( اذا تعجلت أكثر مما يجب ... اذا لم أنتبه انتباهاً كافياً مدة ثانية واحدة ... يمكن أن أمد يدي قاصداً لمس وجهك فأحطم رأسك دون أن أشعر . لاتعرفين مدى هشاشتك ، إنها لا تصدق . لا أستطيع أبداً ...أبداً ... أن أتحمل فقدان أي شكل من أشكال السيطرة على نفسي عندما أكون معك )) .





انتظر إجابتي ... وبدا عليه القلق عندما لم يسمعها . فسألني : (( هل أخفتك؟))



انتظرت دقيقة قبل أن أجيب ... حتى تخرج كلماتي صادقة : (( لا! أنا بخير )) .





بدا لحظة كأنه يفكر في الامر : (( لكن الفضول أصابني الان )) ... قال هذا بصوت مرح من جديد ... (( هل سبق لك ...؟)) صمت بطريقة موحية .





أحمر وجهي : (( طبعاً لا! قل كلك إنني لم أشعر هكذا مع أي إنسان من قبل ... ولا حتى بشيء يشبه هذا الشعور )) .





(( أعرف ... لانني أسمع أفكار الاخرين ... أعرف أن الحب والشهوة لا يسيران يداً بيد على الدوام )) .



(( إنهما هكذا عندي ... اذا كانا موجودين عندي أصلاً !))





بدا عليه الرضا : (( هذا جيد! ... أنا مثلك إذن )) .



قلت : (( هل غرائزك البشرية ... )) ... انتظر تتمة السؤال ... (( هل تجدني جذابة ... أقصد بتلك الطريقة ... ؟))





ضحك وشد شعري بلطف : (( قد لا أكون بشرياً ... لكنني رجل!))





تثاءبت عفوياً . فقال بإصرار : (( أجبت على أسئلتك . عليك النوم الان )) .



(( لست واثقة أنني أستطيع النوم )) .



(( هل تريدين أن أذهب ؟))



قلت بصوت أعلى مما يجب بكثير : (( لا!))





ضحك ثم راح يدندن تلك الاغنية الغريبة نفسها ... كان صوته مثل صوت ملاك .. عذباً في أذني .





كنت أكثر تعباً مما ظننت ... كنت مرهقة من ذلك اليوم الطويل المليء بالتوتر الذهني والعاطفي ... كنت مرهقة على نحو لم أعرفه من قبل فغفوت بين ذراعيه الباردتين .














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 22, 2010 9:06 am

الجزء الخامس عشر




أسرة كولن






أيقضني أخيراً الضوء المكتوم لنهار غائم جديد . بقيت راقدة واضعة ذراعي فوق عيني ... كنت سكرانة ... دائخة . حاولت النفاذ إلى وعيي شيء ... حلم يحاول وعيي أن أتذكره . غمغمت وانقلبت إلى جانبي أملاً في مزيد من النوم . ثم عاد يوم أمس كله متدفقاً إلى وعيي .



(( أوه!)) ... انتصبت جالسة بسرعة جعلت رأسي يدور ... (( يبدو شعرك مثل كومة من القش ... لكنني أحبه هكذا )) ... جاءني صوته من الكرسي الهزاز في زاوية الغرفة . هتفت سعيدة : (( إدوارد ! بقيت هنا!)) ... ومن غير تفكير ألقيت نفسي عبر الغرفة إلى أحضانه . وعندما أدرك عقلي حركتي تجمدت مصدومة بحماستي المنفلتة . حدقت فيه خائفة من أن أكون قد تجاوزت حدي .



لكنه ضحك .



قال وقد أخذته المفاجأة : (( طبعاً بقيت !)) ... لكنه بدا سعيداً بحركتي . راحت يداه تمسدان ظهري .



وضعت رأسي بحذر على كتفه واستنشقت رائحة جلده .
(( كنت واثقة أنه مجرد حلم )).
قال معابثاً : (( لست على هذه الدرجة من الابداع !))
(( تشارلي !)) ... تذكرت فجأة فقفزت من غير تفكير واندفعت إلى الباب .



(( لقد ذهب منذ ساعة ... بعد أن أعاد وصل البطارية في سيارتك ... علي الاعتراف بأن أملي فيك قد خاب ... أهذا كل ما يتطلبه منعك من الذهاب إن كنت تريدين الذهاب فعلاً؟))



وقفت أفكر ... رغبت كثيراً في العودة إليه ... لكنني خفت أن تكون رائحة أنفاسي كريهة في الصباح .



قال : (( لا أعتقد أنك تكونين مرتبكة بهذا الشكل كل صباح )) . فتح ذراعيه حتى أعود إليهما ... كانت دعوة لا تقاوم .



قلت : (( أنا بحاجة إلى دقيقة بشرية فقط !))
(( سأنتظر)) .



انطلقت إلى الحمام ... لم أكن أدرك مشاعري ... لم أعرف نفسي ، لا من الداخل ولا من الخارج . كان الوجه الذي رأيته في المرأة غريباً تماماً ... عينان متألقتان ... ووجنتان محمرتان . بعد تنظيف أسناني حاولت تمشيط شعري المشعث . غلست وجهي بالماء البارد وحاولت التنفس بشكل طبيعي ... لم ألاحظ أي نجاح . عدت إلى غرفتي نصف راكضة .



بدا وجوده فيها عجيبة من العجائب ... كانت يداه ما تزالان ممدودتين ... تنتظرني . امتدتا صوبي فخفق قلبي دون انتظام .



قال : (( أهلاً بعودتك )) ... وأخذني بين ذراعيه .



راح يهز الكرسي ... لاحظت أن ثيابه تغيرت وأن شعره مسرح .



قلت بصوت متهم : (( هل ذهبت ؟)) ... ولمست ياقة قميصه الجديد .



(( لم أكن أستطيع الذهاب بالثياب التي جئت فيها ... ماذا سيقول الجيران ؟))



مططت شفتي أستياء .



(( كنت غارقة في نوم عميق جداً ... لم أفوت شيئاً )) ... لمعت عيناه ... (( لقد تكلمتي قبل ذلك )) .



أننت : (( ماذا سمعت مني ؟))
غدت عيناه الذهبيتان رقيقتين جداً : (( قلت إنك تحبينني )).
قلت أذكره : (( أنت تعرف هذا من قبل !)) ... غمرت رأسي فيه .
(( لكن سماعه من فمك أمر لطيف رغم ذلك )) .
خبأت وجهي في كتفه وهمست : (( أحبك )) .
أجابني ببساطة : (( أنت حياتي الان )) .



ما كان لدينا مانضيفه في تلك اللحظة . راح يهز الكرسي في حين غدت الغرفة أكثر نوراً . قال أخيراً : (( إنه وقت الافطار )) ... كنت واثقة أنه قال ذلك حتى يثبت لي أنه يتذكر جميع نقاط ضعفي البشرية .



لذلك أطبقت على رقبتي بيدي الاثنتين وحدقت فيه بعينين متسعتين ... ظهرت الدهشة على وجهه .



ابتسمت وقلت : (( أنا أمزح ... ألم تقل إنني لا أستطيع التمثيل )) .
عبس مشمئزاً : (( هذا ليس مضحكاً )) .



(( بل هو مضحك جداً ... أنت تعرف ذلك )) . لكنني رحت أدرس عينيه الذهبيتين بدقة حتى أرى إن كان سامحني ... نعم ! لقد سامحني .



سألني : (( هل أستطيع تصحيح عبارتي ؟ إنه وقت الافطار عند البشر )) .
(( لا بأس ! لا بأس !))



رماني فوق كتفه ... بلطف ، لكن بسرعة قطعت أنفاسي . رحت احتج حين سار بي هابطاً إلى المطبخ ... لكن تجاهل احتجاجي .
أجلسني على الكرسي .



بدا المطبخ متألقاً مشرقاً سعيداً كأنه تأثر بمزاجي . سألته ضاحكة : (( اذا تريد أن تفطر ؟ )) فاجأه ذلك دقيقة كاملة .



تغضن حاجبه المرمري : (( أممم ! لست واثقاً . ماذا تحبين ؟))
ابتسمت وقفزت نحوه : (( لا بأس ! أنا أدافع عن نفسي جيداً . راقبني اصطاد )) .



أخرجت صحناً عميقاً وعلبة الحبوب . كنت أشعر بمتابعة عينيه حين صببت الحليب وأمسكت الملعقة . وضعت طعامي على الطاولة ... ثم توقفت ... (( هل تريد أن أحضر لك شيئاً؟)) ... سألته لانني لم أرد أن أكون غير لبقة .



نظر إلي : (( بيلا! كلي فقط )) .



جلست على الطاولة ... تناولت لقمة وأنا أنظر إليه . كان يحدق في متابعاً كل حركة أقوم بها ... جعلني ذلك شديدة الانتباه لنفسي . ابتلعت لقمتي حتى أتكلم ... حتى أشتت انتباهه .



سألته : (( ماذا في برنامجنا اليوم ؟))
(( هممم !...)) رأيته يحضر إجابته بعناية ... (( ما رأيك في مقابلة أسرتي ؟))



شهقت .
(( هل أنت خائفة الان ؟)) ... بدا الامل في صوته .
اعترفت : (( نعم!)) ... كيف أنكر هذا ... إنه يستطيع رؤيته في عيني .



ابتسم : (( لا تقلقي ... سأحميك )) .
أوضحت له : (( لست خائفة منهم . أنا خائفة ... ألا ... يحبونني . ألن يفاجئهم أن تحضر معك شخصاً ... مثلي ... إلى البيت ... لمقابلتهم ؟ هل يعرفون أنني أعرف أشياء عنهم ؟))



(( أوه! إنهم يعرفون كل شيء . لقد تراهنوا يوم أمس ... )) ابتسم لكن صوته خرج من فمه جافاً ... (( تراهنوا على ما اذا كنت سأعيدك إلى البيت ... لا أتخيل ما الذي يجعل أحداً منهم يفكر في المراهنة ضد حدس أليس . ليست لدينا أسرار في بيتنا على أي حال . ليس هذا مجدياً في وجود قدرتي على قراءة الافكار وقدرة أليس على معرفة المستقبل )) .



(( وبوجود جاسبر الذي يجبرك على البوح بما في داخلك ... لا تنس هذا )) .
ابتسم متحسناً : (( لقد كنت منتبهة تماماً !))
قلت مكشرة : (( أنتبه أحياناً ... هل رأت أليس عودتي ؟))
كان رد فعله غريباً : (( شيء من هذا !)) ... قالها بصوت غير مرتا واستدار جانباً حتى لا أرى عينيه . رحت أنظر إليه بفضول .



سألني مستديراً إلي فجأة ناظراً إلى طعامي نظرة معابثة : (( أيعجبك هذا الطعام ؟ صدقاً ... لا يبدو مثيراً للشهية )) .



(( لا بأس به! إنه ليس مزعجاً مثلـ ... )) هكذا تمتمت متجاهلة نظرته . ما زلت أستغرب استجابته بتلك الطريقة عندما ذكرت أليس .



تابعت طعامي غارقة في التفكير .



وقف في وسط المطبخ ... تمثال أدونيس من جديد ... كان يدق عبر النافذة الخلفية مشغول البال .



عادت عيناه إلي وابتسم لي ابتسامته التي تقطع الانفاس : (( عليك أيضاً أن تقدميني إلى والدك!))
ذكرته بقولي : (( إنه يعرفك من قبل )) .
(( أقصد أن تعرفيني عليه بصفتي صديقك )) .
نظرت إليه بريبة : (( لماذا؟))
سألني ببراءة : ((أليست العادات هكذا ؟))
(( لا أعرف !)) ... اعترفت بهذا لان خبرتي في هذا المجال لم تكن كبيرة . إضافة إلى أن القواعد العادية لا تسري في حالتنا ... (( هذا ليس ضرورياً . لا أتوقع منك أن ... أقصد ... لست مضطراً إلى التظاهر فيما يخصني )) .



كانت ابتسامته صبورة : (( لست أتظاهر بشيء )) .



رحت أجمع بقايا شرائح الحبوب عن واف صحني وأمضغ لقمتي الاخيرة .



قال ملحاً : (( هل ستخبرين تشارلي أنني صديقك أم ماذا ؟))
(( وهل أنت صديقي فعلاً ؟)) ... كتمت توقي الداخلي إلى فكرة لقاء إدوارد وتشارلي وكلمة ((صديق)) ... في الغرفة نفسها ... في الوقت نفسه .



قال : (( هذا استخدام غريب لكلمة صديق )) .
(( ثم إنك أكثر من صديق ... في الواقع )) ... اعترفت بهذا ناظرة إلى الطاولة .



(( طيب ! لا أعرف اذا كان علينا إخباره بجميع التفاصيل )) . مد يده فوق الطاولة ورفع ذقني بإصبع بارد لطيف ... (( لكنه سيطلب تفسيراً لوجودي هنا بهذه الكثرة ... لا أريد أن يصدر رئيس الشرطة أمراً يقضي بمنعي من المجيء )) .



سألته وقد داهمني قلق مفاجئ : (( هل ستأتي ؟ ... هل ستكون هنا فعلاً )) .
قال بصوت مطمئن : (( سأكون هنا قدر ما تريدين )) .
قلت محذرة : (( أريدك دائماً ... إلى الابد )) .



سار حول الطاولة ببطء وتوقف قبل خطوتين مني . مد يده ولمس خدي برأس إصبعه ... لم أستطع سبر غور تعابيره .



سألته : (( هل يحزنك هذا ؟))



لم يجبني بل حدق في عيني زمناً لا نهاية له ... سألني آخر الامر : (( هل انتهيت من طعامك ؟))



قفزت واقفة : (( نعم !))
(( اصعدي والبسي ثيابك ... سأنتظرك هنا )) .



لم أعرف ماذا ألبس ... هل من كتاب يوضح كيف أن تلبس الفتاة عندما يأخذها حبيبها مصاص الدماء إلى منزله حتى تقابل أسرة من مصاصي الدماء . أراحني تكرار تلك الكلمة في ذهني . كنت أعرف أنني أتجنبها قصداً . انتهى بي الامر بارتداء تنورتي الوحيدة ... تنورة طويلة كاكية اللون ، لكنها غير متكلفة . لبست فوقها قميصي الازرق الداكن الذي عبر عن إعجابه به ذات مرة . أنبأتني نظرة سريعة إلى المرآة أن شكل شعري كان فظيعاً فجمعته وربطته خلف رأسي .



نزلت السلم قفزاً : (( ها أنا ! ... هل مظهري لائق؟))



كان ينتظر عند الدرجة الاخيرة .. أقرب مما توقعت ... اصطدمت به ... ثبتني بيديه على مسافة منه عدة ثوان ثم شدني إليه فجأة : (( خطأ ! مظهرك غير لائق أبداً ... لا يجوز لأحد أن يكون مغرياً إلى هذا الحد ... هذا ليس عدلاً )) .



سألته : (( هل أبدو مغرية ؟ ... كيف ؟ أستطيع تغيير هذه الملابس ... ))



تنهد وهز رأسه : (( أنت غريبة جداً!)) ... وبرقة طبع شفتيه الباردتين على جبهتي فدارت بي الغرفة . جعلتني أنفاسه عاجزة عن التفكير .



قال : (( هل أوضح لك كم أنت مغرية ؟)) ... لم يكن هذا سؤالاً! سارت أصابعه بطيئة على امتداد ظهري . وكانت أنفاسه تتسارع فوق جلدي . أحسست بيدي مخدرتين فوق صدره ... دار رأسي من جديد .



أحنى رأسه ببطء ومس شفتي بشفتيه الباردتين للمرة الثانية ... وبحذر شديد باعدهما قليلاً .



عندها تهاويت إلى الارض .



(( بيلا!)) ... كان صوته مذعوراً عندما أمسك بي وأنهضني .
قلت بصوت متهم رغم دواري : (( أنت ... جعلتني ... أفقد ... الوعي !))
أن يائساً : (( ماذا أفعل معك ؟ قبلتك أمس فهاجمتني ... قبلتك اليوم ففقدت وعيك !))



ضحكت بضعف ... تركت نفسي مستندة على ذراعيه ريثما يهدأ رأسي .



قال : (( هل هذا لانني جيداً جداً في كل شيء؟))
(( هذه هي المشكلة )) ... ما زلت أشعر بالدوار ... (( أنت جيد أكثر مما يجب ... أكثر مما يجب بكثير )) .



سألني: (( هل تشعرن بغثيان ؟)) ... سألني فتذكرت أنه رآني في مثل هذه الحال من قبل .



((لا!... هذا إغماء من نوع مختلف تماماً . لا أعرف ما حدث !)) ... هززت رأسي معتذرة ... (( لعلي نسيت أن أتنفس )) .



(( لا أستطيع أخذك إلى أي مكان وأنت على هذه الحال )) .
قلت مصرة : (( أنا بخير ! ستظن أسرتك أنني مجنونة في جميع الاحوال ... فما الفرق؟))



مضت لحظة وهو يراقب تعابير وجهي : (( يعجبني جداً هذا اللون على جلدك )) . قالها على نحو مفاجئ فاحمر وجهي لسعادتي ... أدرت وجهي .



قلت له : (( انظر ! أن أحاول بجهد حقيقي عدم التفكير في ما أنا مقبلة عليه ... لذلك ... دعنا نذهب الان )) .



(( أنت قلقة ... لا لانك ذاهبة إلى منزل مملوء بمصاصي الدماء بل لانك تظنين أنهم قد لا يوافقون عليك ... صحيح ؟))
(( صحيح !)) ... أجبته فوراً لكنني أخفيت دهشتي من استخدامه العادي لتلك الكلمة .

هز رأسه عجباً : (( أنت شيء لا يصدق !))
أدركت عندما كان يقود سيارتي خارجاً من الكتلة الرئيسية للبلدة أنني لم أكن أعرف أبداً مكان منزله . عبرنا جسر نهر كالاوا . كان الطريق يمضي متعرجاً صوب الشمال . وكانت البيوت تمر واحداً بعد الاخر ... غدت أكثر تباعداً وأكبر حجماً . ثم تجاوزنا تلك البيوت كلها ودخلنا الغابة التي يلفها الضباب . كنت أفكر ما اذا كان علي أن أسأله أو أن أحافظ على صبري عندما انعطف فجأة في طريق غير معبد ... كان ذلك الطريق من دون علامة تدل عليه ... كان شبه مختف بين الاشجار . كانت الغابة تحف بالطريق من جانبيه فلا تسمح برؤية أكثر من أمتار قليلة منه قبل أن ينعطف ويتلوى مثل ثعبان حول تلك الاشجار العتيقة .



بعد عدة أميال تراجعت كثافة الغابة ... وصلنا فجأة إلى مرج صغير ... هل كان ذلك مرجاً ؟ لم تكن ظلمة الغابة أقل رغم وجود تلك الفسحة فقد كانت تحيط بها ست أرزات هائلة تظل المساحة كلها بأغصانها الكبيرة . كان ظل الاشجار يصل حتى جدران المنزل الذي نهض من بينها ... كان يضفي قدراً من العتمة على الرواق المسقوف المحيط بالطابق الاول كله .



لا أعرف ما الذكي كنت أتوقعه . لكنني لم أكن أتوقع هذا بكل تأكيد . كان منزل عتيقاً جليلاً مهيباً ... لعل عمره مئة سنة . كان مطلياً بلون أبيض حائل ... بيت مستطيل الشكل فيه ثلاثة طوابق . أما النوافذ والابواب فكانت قديمة قدم المنزل نفسه ... أو لعلها ثمرة أعمال ترميم شديدة الاتقان . كانت سيارتي السيارة الوحيده هناك . سمعت صوت النهر قريباً منا ... كانت ظلمة الغابة تخفيه .




(( واو!))
ابستم إدوارد : (( هل أعجبك ؟))
(( إنه .. إنه ساحر !))
شد طرف شعري المربوط خلف رأسي وضحك .
سألني وهو يفتح الباب : (( جاهزة؟))
(( لست جاهزة إطلاقاً ... هيا بنا !)) ... حاولت أن أضحك لكن الضحكة ظلت ملتصقة بحلقي . رحت أمسد شعري بعصبية .



(( تبدين جميلة جداً !)) ... قال هذا ممسكاً بيدي دون التفات إلى ارتباكي .



مشينا في الظلال الكثيفة حتى الرواق . عرفت أنه حس بتوتري ... كان إبهام يده يدلك ظهر يدي بدوائر صغيرة مهدئة .



فتح باب المنزل أمامي .



كان شكل المنزل من الداخل مفاجئاً أكثر من شكله الخارجي . شديد الاضاءة والضخامة والانفتاح . لابد أن هذه القاعة كانت عدة غرف في الاصل . لكن الجدران أزيلت من الطابق الاول كله تقريباً من أجل الحصول على هذا المتسع الكبير ؟ كان الجدار اللفي ، الجنوبي ، قد أزيل ول محله جدار زجاجي بالكامل . هناك خلف ظلال الارز كان مرج عار من الاشجار يمضي متعوجاً حتى ضفة النهر العريض . كان سلم ضخم منحن يحتل الجهة الغربية من الصالة . أما الجدران ، والسقف المرتفع بعوارضه الخشبية ، والارضيات الخشبية ، والسجاد السميك ، فكانت كلها بيضاء ... بدرجات متفاوتة .



كان والدا إدوارد واقفين للترحيب بنا على يسار الباب تماماً ... كانا واقفين فوق منطقة مرتفعة قليلاً إلى جانب بيانو كبير فخم .



لقد رأيت د. كولن من قبل طبعاً . لكنني لم أستطع الامتناع عن الشعور بالدهشة لشبابه وكمال مظهره . وبجانبه كانت إيزمي ... كما توقعت ... كانت هي الوحيدة التي لم أرها من قبل . لها القسمات الشاحبة الجميلة نفسها . وكان في وجهها البيضوي وشعرها الناعم البني ما ذكرني بفاتنات أيام السينما الصامتة . رشيقة معتدلة القوام ... لكنها أكثر امتلاء من الاخرين . كانا يرتديان ملابس عادية فاتحة اللون بما يتناسب مع ألوان المنزل . لبتسما مرحبين لكنهما لم يتحركا صوبنا ... هل أرادا تفادي إخافتي ؟



كسر صوت إدوارد الصمت : (( كارلايل ... إيزمي ... وهذه بيلا !))
(( أهلاً يا بيلا !)) ... تقدم كارلايل مني بخطوات محسوبة حذرة . مد يده بحركة عفوية فتقدمت وصافحتها : (( يسعدني أن أراك ثانية يا د. كولن )) .



(( ناديني كارلايل من فضلك )) .
(( كارلايل !)) ... ابتسمت له ... كانت ثقتي المفاجئة تدهشني . استطعت أن أحس براحة إدوارد الواقف بجانبي .



ابتسمت إيزمي وتقدمت مني أيضاً مادة يدها . كانت قبضتها الباردة الحجرية مثلما توقعتها تماماً .



قالت بصدق : (( يسعدني جداً أن أتعرف عليك )) .
(( شكراً لك! يسعدني لقاؤك أيضاً )) ... كنت سعيدة بلقائها . كان ذلك مثل لقاء شخصيات إحدى القصص الخيالية ... بياض الثلج مثلاً ... بشحمها ولحمها .



سأل إدوارد : (( أين أليس وجاسبر ؟)) ... لكن أحداً لم يجبه لانهما ظهرا في تلك اللحظة في أعلى السلم العريض .



صاحت أليس بحماسة : (( مرحباً إدوارد !)) هبطت الدرجات جرياً ... كانت مثل سحابة من الشعر الاسود والجلد الابيض .. ثم توقفت فجأة رشيقة أمامي . نظر إليها كرلايل وإيزمي نظرة تحذير ، لكنني أحببت حركتها ... كانت طبيعية ... من جانبها على الاقل .



قالت أليس : (( مرحباً بيلا!)) ... ثم انحنت وقبلت خدي . هل بدا الحذر على إيزمي و كارلايل قبل قليل ؟ إنهما مصدومان الان ! ... ظهرت المفاجأة في عيني أيضاً ، لكنني كنت أيضاً مسرورة جداً لانها تقبلتني تماماً ... كما يبدو . أجفلني شعوري بإدوارد يتبيس بجانبي . ألقت إليه نظرة سريعة ، لكنني لم أقرأ شيئاً في وجهه .



(( رائحتك طيبة ! لم ألاحظ هذا من قبل )) ... قالت تمتدحني فشعرت بحرج شديد .



بدا كأن أحداً منا لم يكن يعرف ما يقول ... ثم وصل جاسبر ... طويلاً أسدي الشكل . غمرني شعور مفاجئ بالراحة رغم وجودي في ذلك المكان . نظر إدوارد إلى جاسبر رافعاً فتذكرت ما الذي يستطيع جاسبر فعله .



قال جاسبر : (( أهلاً بيلا!)) ... لكنه ظل في مكانه ولم يمد يده . رغم ذلك ، كان وجوده لطيفاً .



ابتسمت ابتسامة خجولة وقلت له : (( أهلاً جاسبر )) ... ثم قلت للجميع بطريقة تقليدية : (( يسعدني أن أقابلكم جميعاً ... منزلكم جميل جداً )) .



قالت إيزمي : (( شكراً! ... سررنا كثيراً بحضورك )) . كانت تتكلم بعاطفة صادقة ... أدركت أنها تطنني فائقة الشجاعة .



لاحظت أيضاً غياب روزالي وإيميت فتذكرت نفي إدوارد مفرط البراءة عندما سألته عما اذا كان الاخرون لا يحبونني .



انتزعني تعبير وجه كارلايل من هذه الافكار . كان ينظر إلى إدوارد نظرة ذات دلالة ... كان تعبير وجهه متوتراً . ومن زاوية عيني رأيت إدوارد يومئ برأسه مرة واحدة . أدرت وجهي محاولة أن أكون مهذبة . رحت أنظر إلى البيانو الجميل على المنصة قرب الباب . تذكرت فجأة حلم طفولتي ... اذا ربحت جائزة اليانصيب فسوف أشتري لأمي بيانو كبيراً . لم تكن أمي عازفة جيدة . كانت تعزف لنفسها ، لكنني كنت أحب النظر إليها عندما تعزف ... كنت أراه مستغرقة ... سعيدة ... في تلك اللحظات كنت أراها كائناً غامضاً جديداً ، شيئاً مختلفاً عن شخص (( أمي )) الموجود دائماً . لقد أدخلتني إلى صف تعليم البيانو طبعاً لكنني أكثر أكثر الاطفال ، رحت أتذمر حتى تركتني وشأني .



انتبهت إيزمي إلى نظراتي المهتمة فقالت مشيرة برأسها إلى البيانو : (( هل تعزفين ؟))
هززت رأسي : (( لا،أبداً ... لكنه جميل جداً ... هل هو لك؟))
ضحكت : (( لا! ألم يخبرك إدوارد أنه عازف ؟))



قلت : ((لا!)) ... وألقيت نحو إدوارد نظرة غاضبة فرأيت تعبير وجهه يغدو بريئاً فجأة ... (( كان يجب أن أتوقع هذا)) .



رفعت إيزمي حاجبيها الرقيقين مستغربة فقلت : (( يستطيع إدوارد أن يفعل أي شيء ... أليس كذلك ؟))



ضحك جاسبر ... ونظرت إيزمي إلى إدوارد نظرة توبيخ ثم قالن بصوت لاذع : (( آمل أنك لم تفاخر بنفسك كثيراً ... هذا قبيح !))



ضحك إدوارد بانطلاق : (( تفاخرت قليلاً!)) ... رق وجهها لسماع ضحكته ... ثم تبادلا نظرة لم أفهمها ... لكن شيئاً من الاعتداد ظهر على وجه إيزمي .



صححت بقولي : (( لقد كان متواضعاً جداً ... حقاً!))
شجعته إيزمي : (( لا بأس! اعزف لها )) .
قال معترضاً : (( قبل دقيقة قلت إن حب التظاهر قبيح )) .
قالت : (( لكل قاعدة استثناء )) .
تطوعت بالقول : (( أحب أن أسمع عزفك )) .



(( انتهى الامر إذن!)) ... قالت هذا إيزمي وهي تدفعه صوب البيانو . جرني معه ثم أجلسني على مقعد البيانو بجانبه ... رمقني بنظرة ساخطة ثم استدار إلى المفاتيح .



انطلقت أصابعه سريعة ترقص فوق المفاتيح العاجية فملأت الغرفة موسيقى غنية مترفة يستحيل تصديق أنها صادرة عن أصابع شخص واحد . انفتح فمي لشدة دهشتي فسمعت ضحكة منخفضة خلفي تسخر من رد فعلي .



كان إدوارد ينظر إلي من حين لاخر . وكانت الموسيقى تحيط بنا من كل ناحية دون توقف . نظر إلي غامزاً بعينه : (( هل تعجبك؟))



شهقت ... لقد فهمت سؤاله : (( هل كتبتها أنت ؟))
أومأ برأسه : (( إنها المقطوعة المفضلة عند إيزمي )) .
أغمضت عيني وهززت رأسي .
(( ما المشكلة ؟))
(( أشعر أنني عديمة الشأن تماماً )) .



هدأت الموسيقى وتولت إلى شيء أكثر نعومة . فوجئت عندما تعرفت في نغماتها على أغنيته التي سمعتها أمس .



قال بنعومة : (( هذه من إلهامك أنت ! )) ... صارت الموسيقى حلوة إلى درجة يصعب تحملها .
لم أستطع الكلام .
قال كمن يتحدث حديثاً عادياً : (( هل تعرفين ؟ لقد أحبوك ... إيزمي خاصة !))
نظرت خلفي ... لكني رأيت القاعة الكبيرة خالية ... (( أين ذهبوا؟))
(( أعتقد أنهم انسحبوا بهدوء لمننا شيئاً من الخصوصية )) .



همست : (( يحبونني ! ... لكن روزالي وإيميت ... )) كففت عن الكلام ... لم أعرف كيف أعبر عن شكوكي .



عبس : (( لا تقلقي بشأن روزالي !)) ... كانت عيناه واسعتين مقنعتين .. (( سوف تأتي )) .



قلت مشككة : (( وإيميت ؟))



((إيميت يظنني مجنوناً ... هذا صحيح ... لكنه لا يجد مشكلة فيك أنت . إنه يحاول إقناع روزالي )) .
(( ما الذي يزعجها ؟ )) ... لم أكن واثقة من أنني أرغب في معرفة الاجابة .



تنهد بعمق : (( عانت روزالي كثيراً من ... مما نحن عليه . يصعب عليها كثيراً أن يعرف أحد حقيقتنا ... ثم إنها تغار قليلاً !))



سألت غير مصدقة : (( أتغار مني أنا ؟)) ... حاولت تخيل كيف يمكن أن يكون لدى مخلوقة بجمال روزالي سبب يجعلها تغار من فتاة مثلي .



ابتسم إدوارد : (( أنت بشرية ... تتمنى روزالي أن تكون بشرية أيضاً )) .



تمتمت وأنا مازلت مصعوقة ... (( أوه! ... حتى جاسبر ، مع ذلك ...))



قال : (( أنا السبب في هذا . قلت لك إنه آخر من انضم إلينا . لقد أنذرته ألا يقترب كثيراً !))



فكرت في سبب هذا الانذار ... فارتجفت ... لكنني واصلت كلامي سريعاً حتى لا ينتبه إلى ارتجافي : (( ماذا عن إيزمي و كرلايل ؟))



(( هما سعيدان لانني سعيد . الواقع أن إيزمي لن تبالي حتى لو كان لديك ثلاث أعين وقدمين مثل قدمي الاوزة . إنها قلقة علي طيلة الوقت ... تخاف أن يكون لدي نقص في تكويني أو أنني كنت أصغر مما يجب عندما قام كارلايل بتحويلي ... إنها مولعة بي ... يغمرها الرضا والسرور كلما لمستك )) ..



(( بدت أليس ... متحمسة جداً )) .
قال بشفتين مشدودتين : (( لديها طريقتها الخاصة فيا لنظر إلى الامور )) .
(( لن تشرح لي هذا ، أليس كذلك ؟))



سرت بيننا لحظة من التواصل دون كلمات . أدرك أنني عرفت أنه يخفي شيئاً عني . وأدركت أيضاً أنه لن يقول شيئاً ... ليس الان . قلت : (( ما الذي قاله لك كارلايل قبل ذلك ؟))
قطب حاجبيه : (( لقد لاحظت ذلك إذن!))
ابتسمت : (( طبعاً!))



راح يتفحصني بنظراته عدة ثواني قبل أن يجيب : (( أراد إبلاغي خبراً ... لم يعرف إن كنت أريد إطلاعك عليه )) .



(( وهل ستطلعني عليه ؟))
(( يجب أن أخبرك لانني سأكون خلال الايام أو الاسابيع القادمة شديد الحرص عليك ... إلى حد الازعاج ... ولست أريدك أن تعتبريني طاغية بطبيعتي )) .
(( ما المشكلة ؟))
(( لا مشكلة في الواقع ... لكن أليس رأت زواراً يأتون إلينا . يعرفون أننا هنا ... ولديهم فضول!))
((زوار!))
(( نعم ... لكنهم ليسوا مثلنا ... أقصد من حيث سلوكهم في الصيد . ألارجح أنهم لن يأتوا إلى البلدة ... لكني لن أدعك تغيبين عن نظري قبل أن يذهبوا )) .



ارتجفت لما سمعته .
قال متمتماً : (( أخيراً ! ... رد فعل منطقي ... لقد بدأت أحس أنك تفتقرين تماماً إلى حس حفظ النفس )) .



لم أعلق على ما قاله ... تجولت عيناي في القاعة الواسعة .
تابع نظراتي ثم سألني باعتداد : (( ليس هذا ما كنت تتوقعين ... صحيح ؟))
(( صحيح )) .
(( لا توجد توابيت ولا جماجم مكومة في الزاوية ... لا أظن أيضاً أن لدينا بيوت عنكبوت ... يالخيبة أملك )) .



تجاهلت مناكفته : (( إنه واسع جداً ... مضيء جداً ))
أجابني بصوت أكثر جدية : (( إنه المكان الوحيد الذي ليس علينا أن نختبئ عندما نكون فيه )) .



وصلت الاغنية التي كان يعزفها ... أغنيتي ... إلى نهايتها . حملت نغماتها الاخيرة قدراً من الكآبة . وظلت النقرة الاخيرة معلقة في الصمت .



تمتمت : (( شكراً!)) ... أدركت أن الدموع ملأت عيني ... مسحتهما بيدي محرجة.



لمس زاوية عيني بإصبعه ماسحاً دمعة بقيت عليها. رفع إصبعه وراح ينظر إلى تلك القطرة بكآبة . ثم ... بحركة سريعة لم أكد أرها ... وضع إصبعه في فمه ليتذوق الدمعة .



نظرت إليه نظرة استفهام فحدق في عيني مدة طويلة قبل أن يبتسم أخيراً ويقول : (( هل تريدين رؤية بقية المنزل ؟))



قلت : (( أليس فيه توابيت ؟)) لم تفلح السخرية التي في صوتي في إخفاء شيء من الفضول الحقيقي . ضحك ثم مسك بيدي وابتعدنا عن البيانو ... قال واعداً : (( لا توابيت )) .



صعدنا درجات السلم العريض . راحت يدي تنساب فوق الدرابزون الصقيل مثل الساتان .كانت جدران القاعة الطويلة عند نهاية الدرجات مغطاة بألواح خشبية عسلية اللون ... مثل لون الارضية .



(( غرفة روزالي وإيميت ... مكتب كارلايل ... غرفة أليس ... )) كان يشير بيده أثناء سيرنا أمام تلك الابواب . كان ماضياً في سيره ، لكنني توقفت فجأة عند نهاية القاعة ورحت أحدق غير مصدقة في الصليب المعلق على الجدار فوق رأسي . ضحك إدوارد لرؤية تعبير وجهي المضطرب : (( يمكنك أن تضحكي ... هذا نوع من المفارقة ))



لم أضحك . ارتفعت يدي تلقائياً وامتد إصبعي يريد لمس الصليب الخشبي الكبير الذي كان لونه الداكن في تضاد مع الخشب الجدار ذي اللون الفاتح . لم ألمسه رغم فضولي لمعرفة إن كان هذا الخشب العتيق حريري الملمس كما كان يبدو.



قلت : (( لا بد أنه قديم جداً )) .
ابتسم : (( أوائل ثلاثينيات القرن السادس عشر ... تقريباً !))



حولت نظري عن الصليب ناظرة إليه وتساءلت : (( لماذا تعلقونه هنا؟))
(( نوع من الحنين ... لقد كان ملكاً لوالد كارلايل )) .




سألته مشككة : (( هل كان يجمع المقتنيات القديمة ؟))
(( لا! لقد صنعه بنفسه . وعلقه على منبر الكنيسة حيث كان يلقي مواعظه على المصلين )) .



لا أعرف إن كان وجهي عبر عن صدمتي . لكنني عدت إلى التحديق في الصليب الخشبي العتيق البسيط . أجريت حسبة رياضية سريعة . يبلغ عمر الصلب أكثر من 370 عاماً . طال الصمت في حين كنت أحاول تصور تلك الفترة الطويلة من الزمن .



بدا القلق في صوت إدوارد : (( هل أنت بخير ؟))
سألته بهدوء متجاهلة سؤاله ... ما زلت أحدق في الصليب : (( كم هو عمر كارلايل ؟))



(( احتفل منذ فترة غير بعيدة بعيد ميلاده الثاني والستين بعد الثلاثمئة !)) ... نظرت إليه ... كان في عيني مليون سؤال .




قال إدوارد وهو يراقب وجهي بانتباه : (( ولد كارلايل في لندن في أربعينيات القرن السادس عشر ... هكذا يعتقد . لم يكونوا يسجلون هذه الامور بدقة في تلك الايام . كان والده شخصاً غير متسامح . وعندما وصل البروتستانت إلى الحكم كان شديد الحماسة في اضطهاد الكوثوليك وبقية المذاهب ، وشديد الايمان أيضاً بحقيقة الشر وواقعيته المادية ... كان يقود حملات صيد السحرة والمستذنبين ... ومصاصي الدماء ))



جعلتني تلك الكلمة هادئة جداً . لابد أنه لاحظ ذلك ، لكنه تابع كلامه دون توقف ... (( قاموا بإحراق عدد كبير من الابرياء ... بطبيعة الحال ، لم يكن اصطياد الكائنات التي أراد اصطياده أمراً سهلاً . وعندما تقدم في السن جعل ابنه المطيع يقود هذه الحملات . لكن كارلايل خيب أمله في البداية ... لم يكن سريعاً في اتهام الناس ... في رؤية الشياطين حيث لاوجود لها . لكنه كان دؤوياً ، وكان أكثر ذكاء من والده . لقد اكتشف حقاً وكراً لمصاصي دماء حقيقيين كانوا يعيشون مختبئين في أقنية الصرف في المدينة ولا يخرجون منها إلا ليلاً من أجل الصيد . في تلك الايام ، عندما لم تكن الوحوش مجرد حكايات وأساطير ، كانت تلك طريقة عيش كثير منها . حمل الناس حرابهم ومشاعلهم طبعاً ...)) ضحك إدوارد ضحكة قصيرة قاتمة ... (( ثم انتظروا حيث شاهد كرلايل الوحوش تخرج إلى الشارع ... أخيراً ظهر واحد منها ))



كان صوته هادئاً جداً . وكنت أجاهد حتى ألتقط كلماته ...



(( لا بد أنه كان كبير السن ضعيفاً لشدة الجوع . سمعه كارلايل يخاطب الاخرين باللاتينية عندما شم رائحة البشر المجتمعين . جرى في الشوارع . وكان كارلايل في طليعة مطارديه ... كان في الثالثة والعشرين ، وكان سريع العدو . كان بوسع ذلك المخلوق أن يجري أسرع منهم فيسبقهم بسهولة . لكن كارلايل قال إن جوعه الشديد هو ما جعله يستدير ليهاجمهم . هاجم كارلايل في البداية . لكن الاخرين كانوا قريبين جداً فاستدار صوبهم مدافعاً عن نفسه . قتل رجلين منهم ... ثم أخذ الثالث تاركاً كارلايل ينزف في الشارع )) .



صمت إدوارد قليلاً . عرفت أنه يقوم بتنقيح الرواية حتى يخفي شيئاً عني .



(( كان كارلايل يعرف ما كان يفعله والده لو كان مكانه . يجب أن تحرق الجثث ... يجب إزالة كل ما لوثه الوحش . لكنه تصرف غريزياً على النحو الذي يحفظ حياته . لقد زحف مبتعداً في أحد الازقة في حين استمر الحشد في ملاحقة الوحش وضحيته . أختبأ كارلايل في أحد الاقبية حيث غطى نفسه ببعض البطاطا المتعفنة التي وجدها فيه . وظل هناك ثلاثة أيام ... عجيب كيف استطاع أن يحافظ على صمته فلا يكتشف أمره . ثم انقضى الامر .. أدرك كارلايل كيف صار! ))



لا أعرف ما الذي ظهر على وجهي ، لكن إدوارد صمت فجأة وسألني : (( كيف تشعرين ؟))



قلت حتى يطمئن : (( بخير!)) ... لابد أنه لاحظ الفضول مشتعلاً في عيني رغم أنني عضضت شفتي مترددة .



ابتسم وقال : (( أظن أن لديك بعض الاسئلة )) .
(( بعض الاسئلة !))



اتسعت الابتسامة فوق أسنانه اللامعة . استدار عائداً في القاعة وهو يجرني من يدي . قال مشجعاً : (( تعالي إذن ... سوف ترين بنفسك )) .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 22, 2010 9:07 am

الجزء السادس عشر


كارلايل








عاد بي صوب الغرفة التي قال عنها إنها مكتب كارلايل . توقف أمام الباب لحظة فسمعت صوت كارلايل يقول : (( ادخل !))

فتح إدوارد الباب فرأيت غرفة مرتفعة السقف لها نوافذ طويلة إلى جهة الغرب . كانت جدران الغرفة مغطاة تقريباً برفوف ورفوف من الكتب تعلو فوق رأسي ... كان فيا من الكتب أكثر من أي كمية رأيتها من قبل ، في منزل .

كان كارلايل جالساً في مقعد جلدي خلف مكتب ضخم من خشب الماهوغاني . وضع علامة عند الصفحة التي وصل إليها في كتاب سميك كان يمله بيده . كانت الغرفة تشبه مكتب عميد كلية جامعية ... كما كنت أتخيله . لكن كارلايل كان يبدو أكثر شباباً من صورة العميد في ذهني .

سألنا مبتسماً ناهضاً من كرسيه : (( ما الذي أستطيع تقديمه لكم ؟))
قال إدوارد : (( أريد أن أجعل بيلا ترى بعضاً من تاريخنا ... أقصد تاريخك )) .

قلت معتذرة : (( لم نكن نقصد إزعاجك )) .
(( إطلاقاً . من أين تحبان البدء ؟))

(( لندن!)) ... أجابه إدوارد واضعاً يده برقة على كتفي حتى أستدير فأنظر ناحية الباب الذي دخلنا منه منذ قليل . كان لقلبي رد فعل مسموع كلما لمسني إدوارد ... حتى لو كانت لمسة عابرة . كان الامر أكثر إحراجاً في حضور كارلايل .

كان الجدار الذي أنظر إليه الان مختلفاً عن بقية الجدران . فبدلاً من رفوف الكتب ، كان مزدحماً بلوات من جميع القياسات ... بعضها بألوان حية صاخبة ، وبعضها بألوان باهتة باردة . بثت عن شيء يجمع بين هذه الصور ، لكن بثي السريع لم يخرج بشيء .

جذبني إدوارد إلى أقصى الناحية اليسرى فجعلني أقف أمام لوحة زيتية صغيرة مربعة في إطار خشبي بسيط . ما كانت مرئية بوضوح بين اللوحات ذات الحجم الاكبر والالوان الاكثر سطوعاً . كانت اللوحة مرسومة بدرجات مختلفة من اللون البني وكانت تصور مدينة ذات أسطح مائلة مع بعض الابراج ذات الرؤوس المستدقة . كان نهر عريض يملأ خلفية الصورة يقطعه جسر مغطى ببناء أشبه بكاتدرائية صغيرة .

قال إدوارد : (( لندن منتصف القرن السادس عشر )).

أضاف كارلايل من مسافة خطوات قليلة خلفنا : (( إنها لندن أيام شبابي )) ... انكمشت على نفسي ... لم أسمع صوت اقترابه ... ضغط إدوارد على يدي وسأله : (( هل ستروي القصة أنت ؟)) ... ألتفت قليلاً لأرى رد كارلايل .

قابل نظرتي بابتسامة وأجاب : (( نعم! سأرويها ... لكنني تأخرت قليلاً . طلبوني من المستشفى هذا الصباح ... د. سنو لديه إجازة مرضية اليوم ... ثم إنك تعرف تلكك القصص كما أعرفها )) ... قال ذلم مبتسماً لإدوارد .

كان ذلك مزيجاً يصعب استيعابه ... المشاغل اليومية لطبيب بلدة صغيرة ضمن سياق حديثه عن أيامه الاولى في لندن أوائل القرن السابع عشر... أزعجتني فكرة أنه كان يتحدث بصوت مرتفع من أجلي أنا ... حتى أستطيع سماعه !

بعد ابتسامة دافئة غادر كارلايل الغرفة . نظرت إلى صورة مسقط رأس كارلايل برهة من الزمن ثم سألت إدوارد ناظرة إليه : (( ماذا حدث عند ذلك ؟)) ... كان ينظر إلي ... (( أقصد ... عندما أدرك ما حدث له )).

نظر إلى الصور من جديد فنظرت أيضاً لأرى الصورة التي انصب عليها اهتمامه الان . كانت صورة أكبر حجماً ... كانت مرسومة بألوان الخريف الكئيبة ... مرج فارغ تلفه الظلال في غابة ... مع قمة جبل تلوح في الافق البعيد .

قال إدوارد بصوت هادئ : (( عندما عرف ما أصابه ... تمرد عليه . حاول قتل نفسه . لكن هذا ليس بالامر السهل )) .

(( كيف؟)) ... لم أتعمد رفع صوتي ، لكن تلك الكلمة خرجت من فمي بصوت مرتفع لشدة دهشتي .

قال إدوارد بصوت هادئ بارد : (( قفز من أماكن مرتفعة جداً وحاول إغراق نفسه في المحيط ... لكنه كان شاباً في حياته الجديدة ... كان قوياً جداً . من المدهش أنه استطاع مقاومة ... الطعام ... رغم كونه جديداً إلى هذه الدرجة . تكون تلك الغريزة شديدة آنذاك . وهي تطغى على كل ما عداها . لكنه كان شديد الاشمئزاز من نفسه إلى حد منحه قوة محاولة إماتة نفسه جوعاً )) .

خرج صوتي واهناً : (( وهل هذا ممكن؟))
((لا! لا يمكن قتلنا إلا بطرق قليلة جداً ))

فتحت فمي لأسأل ، لكنه تكلم قبل أن يخرج صوتي من فمي ... (( وهكذا أصابه جوع شديد فحل به الوهن آخر الامر . هام على وجهه بعيداً عن أماكن وجود البشر لانه أدرك أن أرادته كانت تضعف أيضاً . كان يتجول ليلاً باحثاً عن أبعد المناطق كارهاً نفسه . وفي ذات ليلة مر بمخبئة قطيع من الغزلان . كان ظمأه شديداً إلى حد جعله يهاجم القطيع دون تفكير . عادت قواه إليه فأدرك وجود بديل ممكن عن أن يكون ذلك الوحش الذي يخشاه . ألم يأكل لحم الغزلان في حياته الاولى ؟ ... تكونت فلسفته خلال الاشهر التالية : يمكنه العيش دون أن يكون شيطاناً ... لقد وجد نفسه من جديد . بدأ يحسن الاستفادة من وقته . لقد كان دائماً شخصاً ذكياً تواقاً إلى العلم . والان صار أمامه وقت طويل جداً . كان يدرس ليلاً ويضع خططه نهاراً . اجتاز البحر سباحة إلى فرنسا و...))

(( هل قلت إنه سبح إلى فرنسا؟))
قال إدوارد بصبر : (( الناس يجتازون القتال الانكليزي سباحة على الدوام يا بيلا!))

(( صحيح ! ... كما أظن . لكن العبارة بدت عجيبة ضمن سياق كلامك ... تابع!))
(( السباحة سهلة علينا ... ))
قلت متذمرة : (( كل شيء سهل عليكم!))

توقف عن الكلام . فقلت : (( أعدك أنني لن أقاطعك مرة أخرى )) .
ابتسم ثم أكمل جملته : (( هذا لأننا لسنا بحاجة إلى التنفس )) .
(( لكنك ...))
((لا!لا! لقد وعدت بعدم المقاطعة )) ... ضحك واضعاً إصبعه البارد على شفتي ... (( هل تريدين سماع القصة ... أم لا؟))

غمغمت رغم وجود إصبعه على فمي : (( لا تستطيع أن تقول لي شيئاً مثل هذا ثم تتوقع أن لا أقول أي كلمة )) .

رفع يده ووضعها على رقبتي ... أسرع نبض قلبي بمثل سرعة يده . لكنني بقيت على إلحاحي : (( ألستم بحاجة إلى التنفس )) .
ابتسم : (( لا! إنه ليس ضرورياً . إنه عادة فقط )) .
(( وكم تستطيع البقاء ... دون تنفس ؟))
(( بلا نهاية ... هكذا أظن ... لا أعرف . يصبح الامر مزعجاً قليلاً ... من غير حاسة الشم )) .

قلت بصوت كالصدى : (( مزعج قليلاً !))

لم أكن منتبهة لتعبير وجهي لكن شيئاً فيه جعل وجه إدوارد يظلم . سقطت يده إلى جانبه ووقف جامداً تماماً ... كانت عيناه معلقتان بوجهي ... طال الصمت ... كانت ملامح وجهه جامدة كالجحر .

همست وأنا ألمس وجهه المتجمد : (( ما الامر ؟))
عاد وجهه إلى الحياة تحت يدي : (( أنتظر دائماً أن يحدث ذلك )) .
(( أن يحدث ماذا؟))
(( أعرف أنك ستهربين مني ... ستهربين صارخة باكية ... في لحظة من اللحظات ، عندما أقول لك شيئاً أو عندما ترين أن الامر قد مضى أبعد مما يجب )) ... ابتسم نصف ابتسامة لكن عينيه كانتا جادتين تماماً ... (( لن أوقفك . أريد أن يحدث هذا لانني أريد لك الامان . لكنني أريد أيضاً أن أكون معك . يستحيل التوفيق بين الرغبتين ... )) صمت فجأة محدقاً في وجهي ... منتظراً .

وعدته : (( لن أهرب أبداً)) .
قال مبتسماً من جديد : (( سنرى!))
عبست وقلت : (( تابع إذن ... سبح كارلايل إلى فرنسا...))

صمت برهة حتى يستعيد القصة . وعلى نحو عفوي اتجهت عيناه نحو لوحة أخرى ... أغنى اللوحات ألواناً وأكبرها حجماً ... كان لإطارها الاكثر تزييناً أيضاً . كانت معلقة بجانب الباب ... كان عرضها ضعفي عرض الباب . وكان قماشها يفيض بشخوص متألقة في أثواب ملتفة من حولهم ... كانوا مجتمعين حول أعمدة طويلة أو قرب شرفات رخامية . لم أعرف إن كانت اللوحة تمثل شيئاً من أساطير اليونان أو إن كانت تلك الشخصيات السابحة في الغيوم مأخوذة من الثوراة .

(( سبح كارلايل إلى فرنسا . ثم تابع السير عبر أوربا ... إلى الجامعات . في الليل كان يدرس الموسيقى والعلوم والطب ... لقد وجد ضالته ... رسالته ... في ذلك الامر ... في إنقاذ الارواح )) . صار تعبير وجه إدوارد وقوراً مفعماً باحترام يشبه التقديس ... (( لا أستطيع أن أصف نضال كارلايل وصفاً كافياً . ظل قرنين يبذل جهوداً مضنية حتى أتقن ضبط نفسه . إنه الان منيع تماماً إزاء رائحة الدم البشري ... صار يستطيع أداء العمل الذي يحبه دون عذاب . إنه يجد قدراً كبيراً من راحة النفس هناك في المستشفى ...)) حدق إدوارد في الفراغ لحظة طويلة . ثم تذكر ما كان فيه فجأة فنقر بإصبعه على اللوحة الضخمة أمامنا .

(( كان يدرس في إيطاليا عندما اكتشف وجود الاخرين . لقد كانوا أكثر تمدناً وتعليماً من أشباح مجاري لندن )).

لمس إدوارد مجموعة رزينة نسبياً من أربعة أشخاص مرسومين على الشرفة العليا ... كانوا ينظرون بهدوء إلى الناس المجتمعين في الاسفل . نظرت بانتباه إلى هذه المجموعة فضحكت فجأة عندما عرفت منهم الرجل ذا الشعر الذهبي .

ابتسم إدوارد : (( كان الرسام سوليمينا شديد التأثر بأصدقاء كرلايل ، بل كان يرسمهم مثل آلهة أكثر الايان . إنهم آرو وماركوس وكايوس )) ... قال إدوارد هذا مشيراً إلى الثلاثة الاخرين ... كان اثنان منهم بشعر أسود . أما الثالث فكان شعره أبيض كالثلج ... (( إنهم سادة الليل في الفنون )) .

تساءلت بصوت مرتفع واضعة إصبعي على مسافة سنتيميتر واحد من هؤلاء الاشخاص على اللوحة : (( ماذا جرى لهم ؟))

ضحك إدوارد : (( ما زالوا هناك مثلما كانوا منذ آلاف السنين .. من يعرف ! لم يبق كارلايل معهم إلا فترة قصيرة ، بضع عشرات من السنين فقط . كان شديد الاعجاب بتمدنهم ورفعتهم ، لكنهم كانوا مصرين على محاولة شفائه من ابتعاده عن " مصدر غذائه الطبيعي " كما كانوا يقولون .
حاولوا إقناعه وحاول إقناعهم ، لكن عبثاً . عند تلك النقطة قرر كارلايل أن يجرب العالم الجديد . كان يحلم بالعثور على من هم مثله . كان يشعر بوحدة شديدة ... مضت فترة طويلة لكنه لم يجد أحداً . غير أنه اكتشف أن بوسعه مالطة البشر كما لو كان واحداً منهم ... فبعد أن صار الوحوش موضوعاً للقصص الخيالية وحدها ما عاد الامر يثير شكوك الناس . وهكذا بدأ ممارسة الطب ، لكنه لم يظفر بالرفقة التي كان يتوق إليها ... لم يكن يستطيع المخاطرة بإقامة علاقات حميمة )) .

تابع إدوارد : (( وعندما انتشر وباء الانفلونزا كان يعمل ليلاً في أحد مستشفيات شيكاغو . كانت فكرة تدور في رأسه منذ سنين كثيرة ... وكان على وشك اتخاذ قرار تنفيذها ... لم يستطع أن يعثر على رفيقة له ، فقرر أن يخلقها بنفسه . لم يكن يعرف تماماً كيف حدث التحول معه ، وهذا ما جعله متردداً . كان أيضاً ينفر من فكرة سرقة حياة إنسان أخر كما سرقت حياته منه . في تلك اللحظة ... في حالته الذهنية تلك ... وجدني . كان الامل في شفائي معدوماً فتركوني مع المحتضرين في أحد أجنحة المستشفى . كان كارلايل قد اعتنى بوالدي قبل موتهما ... فكان يعرف أنني وحيد تماماً ، لذلك قرر المحاولة ...))

صار صوته الان بطيئاً شبه هامس . راح يحدق عبر النوافذ الغربية ... لا إلى شيء . ما الصور التي تزدحم في رأسه الان ؟ ذكريات كارلايل أم ذكرياته هو؟ ... انتظرت بصمت ...

عندما استدار إلي كانت ابتسامة ملائكية تنير وجهه ... قال : (( وهكذا عدنا إلى حيث بدأنا)) .

قلت متسائلة : (( هل تعيش مع كارلايل منذ ذلك الوقت ؟))
(( نعم!...تقريباً )) ... وضع يده برقة على خصري وشدني معه خارجاً من الباب . نظرت من جديد إلى الجدار المليء بالصور وسألت نفسي إن كنت سأسمع بقية هذه القصص كلها ذات يوم .

لم يضف إدوارد شيئاً أثناء سيرنا . وعندما نزلنا إلى القاعة الكبيرة سألته : (( تقريباً؟))

تنهد بعمق ... بدا غير راغب في الاجابة لكنه قال : (( طيب! لقد مررت بمرحلة التمرد المعروفة أثناء المراهقة ... بعد نحو عشر سنين من ... ولادتي ... خلقي . لم تعجبني حياة الامتناع عن دم البشر . كرهت كارلايل لانه كان يقمع شهيتي . لذلك تركته وذهبت ودي لفترة من الوقت ))

(( حقاً!)) ... كان فضولي شديداً ... لعل الاجدر بي أن أكون خائفة في هذه اللحظة ... لكنه فهم ذلك . أدركت على نحو غائم أننا كنا نصعد السلم المقابل . لكنني لم أكن شديدة الانتباه إلى مايحيط بنا .

(( ألم يخب أملك؟))

((لا!))

((لم لا؟))

(( أظن ... أن الامر يبدو منطقياً))

انفجر ضاحكاً .. بصوت أعلى من صوت ضحكته قبل قليل . كنا قد بلغنا نهاية السلم الان فصرنا في ممر آخر ... كانت جدرانه مغطاة بالالواح الخشبية أيضاً .

تمتم إدوارد : (( منذ لحظة ولادتي الجديدة تمتعت بمزية معرفة ما يفكر فيه من هم حولي ... البشر وغير البشر . هذا ما جعل تمري على كارلايل يتأخر عشر سنين . كنت قادراً على قراءة إخلاصه وصدقه الكاملين ... وعلى فهم سبب عيشه بتلك الطريقة )).

(( لم يقتض الامر أكثر من سنوات قليلة عدت بعدها إلى كارلايل والتزمت برؤيته . ظننت أنني سأنجو من ... الاكتئاب ... الذي يرافق الضمير . كنت أسمع أفكار فريستي ، لذلك كنت قادراً على تجنب الابرياء وعلى استهداف الاشرار وحدهم ...اذا لا حقت مجرماً يعتزم قتل فتاة صغيرة في زقاق مظلم ... واذا أنقذتها منه ... فمن المؤكد أنني لست شريراً!))

ارتجفت عندما تخيلت بوضوح شديد الصورة التي وصفها .. . الزقاق المظلم في الليل ... الفتاة المذعورة ... الرجل المظلم خلفها . ثم إدوارد ، إدوارد عندما يصطاد ... مرعباً وجميلاً مثل إله شاب ... عصياً على الايقاف . هل تكون تلك الفتاة شاكرة ممتنة له أم أكثر خوفاً من ذي قبل؟

(( لكني، مع مرور الوقت ، بدأت أرى الوحش في عيني . لم أستطع عدم الاحساس بفداحة ثقل كل هذه الارواح البشرية ... مهما يكن قتلها مبرراً . عندما عدت إلى كارلايل وإيزمي فرحبا بعودتي ... كان هذا أكثر مما أستحق )) .

توقفنا عند تلك اللحظة أمام آخر باب في الممر . قال لي : (( هذه غرفتي!)) ... ثم فتح الباب وشدني إلى الداخل .

كانت غرفته تواجه جهة الجنوب . وكانت فيها نافذة بحجم الجدار كله ... كما تطل على نهر سول دوك المتعرج . وقبل النهر رأيت غابة جبال أولمبيك العذراء . كانت الجبال تبدو أقرب كثيراً مما توقعت .

كان الجدار الغربي مغطى كله برفوف كثيرة . كانت الاسطوانات تملأ تلك الرفوف . كان في غرفته أسطوانات أكثر مما يجده المرء في محلات الاسطوانات الموسيقية . رأيت في الزاوية مجموعة صوت فخمة المظهر من ذلك النوع الذي أخاف أن ألمسه لثقتي من أنني سأكسر شيئاً فيه . لم يكن في الغرفة سرير ... فقط أريكة جليدية وثيرة سوداء عريضة . كانت ارضها مغطاة بسجادة سميكة ذهبية اللون . أما الجدران فكان يكسوها قماش ثقيل بلون ذهبي داكن قليلاً .

قلت : (( تجهيزات جيدة لسماع الموسيقى!))
ابتسم وأومأ برأسه .

التقط جهاز التحكم وشغل الستريو . كانت موسيقى هادئة ، لكن موسيقى الجاز الناعمة جعلتني أحس أن الفرقة كانت موجودة في الغرفة.

مضيت لأنظر إلى مجموعته الموسيقية الهائلة . سألته عندما لم أفهم نظام ترتيب العناوين : (( كيف نظمت هذه المجموعة ؟)) ... لكنه لم يكن منتبهاً .

أجابني بذهن شارد : (( هممم! حسب السنوات ، ثم حسب تفضيلي الشخصي )) .

استدرت إليه فرأيته ينظر نحوي وفي عينيه تعبير غريب
((ماذا؟))

(( كنت أطن أنني سأشعر ... بالراحة ... بعد أن تعرفي كل شيء لا أعود بحاجة إلى كتم أسراري عنك . لكنني لم أتوقع شعوراً أكثر من الراحة ... لقد استمتعت بالامر . لقد ... أسعدني )) . رفع كتفيه مبتسماً .

أجبته بابتسامة وقلت : (( أنا سعيدة أيضاً !)) ... كنت أخاف أن يندم على إخباري هذه الاشيلء . وكان من المريح أن أجده عكس ذلك تماماً . لكن عينيه جعلتا ابتسامتي تختفي ... ذوت ابتسامته وتغضن جبينه فقلت : (( ما زلت تنتظر مني أن أهرب وأصرخ ، صحيح؟))

لامست شفتيه ابتسامة صغيرة وأومأ برأسه .

كذبت قائلة بنبرة عادية : (( أكره أن أفجر فقاعتك هذه، لكنك لست مخيفا حقاً بالقدر الذي تظن . لست أجدك مخيفا إطلاقاً !))

توقف رافعاً حاجبيه بحركة عدم تصديق واضح . ثم ابتسم ابتسامته العريضة الخبيثة وقال ضاحكاً : (( ما كان يجب أن تقولي هذا))

صدرت عنه زمجرة .. صوت منخفض من عمق حنجرته كشرت شفتاه عن أسنانه اللامعة الجميلة . تغير وضع جسده فجأة ... صار نصف جاثم ... متوتراً مثل أسد يستعد للوثب .
تراجعت محدقت فيه ... (( لن تفعل ذلك!))

لم أره يثب علي ... كان سريعاً جداً . لم أشعر بنفسي إلا محمولة ... طائرة ... ثم هبطنا معاً على الاريكة فاصطدمت بالجدار خلال ذلك كان ذراعاه ملتفان حولي مثل قفص حديدي يحميني . لم أكد ألمس الاريكة بجسمي . لكنني رحت ألهث وأنا أحاول الجلوس منتصبة . لكنه لم يتركني أفعل ذلك ... كورني على صدره ممسكاً بي بيدين أقوى من سلاسل الحديد . حدقت فيه متوترة ، لكنه بدا مسيطراً جداً على نفسه ... ارتخى فكاه فابتسم ... لم يعد في عينيه غير ألق المرح ... قال بصوت لعوب : (( ماذا كنت تقولين ؟))

قلت : (( قلت إنك وحش مخيف جداً ... جداً!)) ..زاد تقطع أنفاسي من شحنة التهكم في صوتي .
قال موافقاً : (( هذا أفضل بكثير )) .
ناضلت لتحرير نفسي : (( هممم! ... هل أستطيع القيام الان؟))

اكتفى بالضحك .

جاء صوت رقيق من الممر : (( هل نستطيع الدخول ؟))

حاولت تحرير نفسي ، لكن إدوارد اكتفى بأن أجلسني فوق ركبتيه نظرت فرأيت أليس في الباب ثم جاسبر من خلفها . التهبت وجنتاي احمراراً ، لكن إدوارد بدا غير مضطرب .

(( ادخلا!)) ... كان إدوارد لا يزال يضحك بصوت هادئ .
لم يظهر على أليس أي استغراب بسبب عناقنا . سارت ... بل رقصت .. كانت حركتها رشيقة جداً ... حتى وسط الغرفة ثم جلست على الارض . لكن جاسبر ظل واقفاً عند الباب . كان على وجهه تعبير صدمة خفيف . كان ينظر إلى وجه إدوارد فتساءلت في نفسي ما اذا كان يختبر الجو باسته الخارقة .

أعلنت أليس : (( بدا لنا مما سمعناه أنك تأكل بيلا فجئنا لنشارك!))

تجمدت رعباً لحظة قصيرة لكنني رأيت إدوارد يبتسم ... هل ابتسم لمزحها أم لرد فعلي ... لست أدري !

أجابها : (( آسف ! لا أظن أن لدي أي فائض )) ... قال ذلك في حين ظل ذراعاه يحضناني إليه .

قال جاسبر داخلاً الغرفة مغالباً ابتسامته : (( الواقع ... تقول أليس إن عاصفة حقيقية ستهب الليلة ... ويرغب إيميت في لعب الكرة ... هل تلعب معنا؟))

كانت كلماته عادية تماماً ، لكن السياق أربكني . فهمت رغم ذلك أن تنبؤات أليس أكثر مصداقية من الارصاد الجوية .
أشرقت عينا إدوارد ، لكنه تردد .

قالت أليس بصوت مثل زقزقة العصافير : (( عليك أن تجلب بيلا طبعاً !)) ... أظن أنني رأيت جاسبر يرشقها بنظرة سريعة .

سألني إدوارد متحمساً ... كان تعبير وجهه متوثباً : (( أتريدين الذهاب؟))
لم أكن لأستطيع تخيب ذلك الوجه المشرق : (( طبعاً!... أين سنذهب؟))

قال إدوارد : (( علينا أن ننتظر الرعد حتى نستطيع أن نلعب الكرة ... سترين السبب!))
(( هل أحتاج مظلة ؟))
ضحك الثلاثة بصوت مرتفع .

نظر جاسبر إلى أليس وسألها : (( هل تحتاج مظلة ؟))
قالت بنبرة جازمة : ((لا!... ستكون العاصفة فوق البلدة ... يجب أن يكون الجو صحواً في الفسحة )) .

كانت الحماسة في صوت جاسبر واضحة جداً عندما قال : (( عظيم !)) ... وجدت نفسي متحمسة أيضاً ... لم أكن متيبسة خوفاً .

نهضت أليس ومضت إلى الباب برشاقة قادرة على تحطيم قلب أي راقصة باليه ... (( سأرى إن كان كارلايل مستعداً لمرافقتنا )) .

قال جاسبر مازحاً : (( و كأنك لا تعرفين!)) ... ذهبا مسرعين وأغلق جاسبر الباب .

سألت إدوارد : (( ماذا سنلعب ؟))
قال موضحاً : (( أنت ستتفرجين . أما نحن فسنلعب البيسبول )) .
فتحت عيني دهشة : (( مصاصو دماء يحبون البيسبول!))
قال بوقار مازح : (( إنها اللعبة الشعبية الامريكية !))







عدل سابقا من قبل Miss cute في الخميس يوليو 22, 2010 9:13 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 22, 2010 9:09 am

الجزء السابع عشر


اللعبة




كان المطر قد بدأ رذاذاً خفيفاً عندما وصلنا إلى شارعي . حتى هذه اللحظة كنت لا أشك في أن إدوارد يعتزم البقاء معي ريثما أمضي ساعات قليلة في العالم الحقيقي .

ثم رأيت السيارة السوداء . سيارة الفورد حائلة اللون ، واقفة أمام بيت تشارلي وسمعت إدوارد يتمتم شيئاً بصوت خشن خفيض غير مفهوم .

رأيت جايكوب بلاك واقفاً خلف كرسي والده المتحرك مائلاً برأسه بعيداً عن المطر تحت الرواق الامامي . كان وجه بيلي جامداً كالحجر عندما أوقف إدوارد سيارتي عند الحاجز الحجري . وكان جايكوب ينظر إلينا بتعبير ميت .

قال إدوارد بصوت حانق منخفض : (( تجاوز الامر حده )) .
قلت مخمنة : (( لقد جاء من أجل تحذير تشارلي !)) ... كان خوفي أكبر من غضبي .

أومأ إدوارد برأسه مجيباً نظرة بيلي عبر المطر ... ضاقت عيناه .
شعرت بضعف ، لكنني ارتحت لان تشارلي لم يصل إلى المنزل بعد .

اقترحت : (( دعني أتولى الامر )) ... جعلتني نظرة إدوارد القاتمة أشعر بالقلق .
فاجأتني موافقته : (( لعل هذا أفضل . لكن كوني يقظة ... ليس لدى الطفل أي فكرة )) .

لم أستطع التغاضي عن كلمة " طفل " ، فقلت أذكره : (( ليس جايكوب أصغر مني بكثير )) .
نظر إلي فرأيت غضبه يخبو فجأة . وقال مبتسماً : (( أوه! أعرف هذا )) .

تنهدت واضعة يدي على مقبض الباب .
قال آمراً : (( أدليهم إلى المنزل حتى أستطيع الذهاب . سأعود عند الغسق )) .
قلت : (( هل تريد سيارتي ؟)) لكنني فكرت في اللحظة نفسها في ما يمكن أن أقوله لتشارلي لتفسير عدم وجودها .

نظر إلي وقال : (( أستطيع أن أمشي أسرع من سيارتك )) .
قلت بحزن وتوق : (( لست مضطراً للذهاب )) .

ابتسم عندما رأى وجهي كئيباً : (( الواقع أنني مضطر ... بعد أن تتخلصي منهما )) ... ألقى نظرة مظلمة صوب جايكوب ووالده ... (( يبقى عليك تحضير تشارلي للقاء صديقك الجديد )) . قال هذا مبتسماً ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه كلها .

قلت بصوت كالانين : (( شكراً لك !))

ابتسم ابتسامته العابثة التي أحبها وعدني : (( أعود سريعاً)) ... ألقى نظرة مسرعة إلى الرواق ثم انحنى وقبلني بسرعة تحت حافة فكي .
قفز قلبي عنيفاً ونظرت بدوري نحو الرواق . لم يعد وجه بيلي جامداً ... كان كفاه قابضين على ذراعي الكرسي .

كررت كلمته : (( سريعاً !)) ... فتحت الباب وخرجت إلى المطر . شعرت بنظراته على ظهري عندما مضيت مهرولة تحت الرذاذ الناعم .


(( مرحباً بيلي! مرحباً جايكوب !)) ... ألقيت التحية بأقصى قدر من البهجة استطعته ... (( سيغيب تشارلي طيلة اليوم ... أرجو ألا تكونا منتظرين منذ فترة طويلة )) .

قال بيلي بنبرة خفيضة : (( لم ننتظر طويلاً !)) ... كانت عيناه السوداوان ثاقبتين ... (( أردت فقط إحضار هذه )) ... وأشار إلى كيس ورقي بني في حضنه .

قلت : (( شكراً!)) ... رغم أنني لم تكن لدي فكرة عن محتوياته ... (( لماذا لا تدخلان قليلاً ريثما تجف ثيابكما؟))

حاولت تجاهل نظرته المتفحصة حين فتحت الباب وجعلتهما يدخلان قبلي .

سمحت لنفسي بالقاء نظرة خاطفة صوب إدوارد حين أغلقت الباب ... قلت : (( دعني آخذ الكيس !)) ... كان بيلي ينتظر ساكناً تماماً ... كانت عيناه جادتين .

قال بينما ناولني الكيس : (( عليك وضعه في البراد ... فيه سمك مقلي منزلي من هاري كليرووتر ... أكلة تشارلي المفضلة . البراد يحافظ على جفافها )) ... ابتسم بيلي .

قلت من جديد : (( شكراً !)) ... لكن بصدق هذه المرة ... (( لقد استنفدت طرق إعداد السمك ... وسوف يجلب تشارلي كمية جديدة الليلة )) .

(( هل ذهب إلى الصيد من جديد ؟)) ... سأل بيلي وقد لمعت عيناه قليلاً ... (( هناك ... في المكان المعتاد ؟ قد أعرج لأراه)) .

كذبت بسرعة : (( لا! ... إنه ذاهب إلى مكان جديد ... لا أعرف أين! ))

انتبه لتغير تعبير وجهي فجعله ذلك يقظاً ... قال : (( جايكوب ! ... لم لا تذهب إلى السيارة وتحضر صورة ريبيكا الجديدة ؟ سأتركها لتشارلي أيضاً )) .

سأله جايكوب بصوت نكد : (( أين هي ؟)) ... نظرت إليه لكنه كان قد توجه نحو الباب عاقداً حاجبيه .
قال بيلي : (( أظن أنني رأيتها في الصندوق .. قد تحتاج إلى البحث قليلاً )) .

رج جايكوب إلى المطر متلكئاً .
تواجهنا صامتين . بعد ثوان قليلة صار الصمت مزعجاً فاستدرت متجهة إلى المطبخ . سمعت صوت عجلات كرسيه تصر على أرضية الغرفة عندما تبعني .

وضعت الكيس في رف البراد العلوي المزدحم و استدرت لأنظر إليه ... لم أستطع قراءة وجهه ذي الغضون العميقة .

قلت بصوت يقارب الفظاظة : (( لن يعود تشارلي قبل وقت طويل )) .
أومأ برأسه موافقاً ... ولم يقل شيئاً .
قلت : (( أشكرك ثانية على السمك المقلي )) .

تابع الايماء برأسه فتنهدت وعقدت ذراعي على صدري .
بدا كأنه شعر بأنني أقلعت عن محاولة الكلام في توافه الامور فقال : (( بيلا!)) ... ثم صمت متردداً .
انتظرت .
قال مجدداً : (( بيلا! ... تشارلي من أعز أصدقائي )) .
(( نعم!))
نطق كل كلمة بعناية بصوته المقعقع : (( لاحظت أنك تمضين وقتاً طويلاً مع أحد أبناء كولن )) .
قلت من جديد : (( نعم! ))
ضاقت عيناه : (( قد لا يكون هذا من شأني . لكنني لا أظنها فكرة جيدة )) .
قلت موافقة : (( أنت محق ! ... هذا ليس من شأنك )) .

ارتفع حاجباه الاشيبان عندما سمع نبرتي : (( لعلك لا تعرفين هذا ... لكن لأسرة كولن سمعة سيئة في محميتنا )) .

قلت بصوت جامد : (( الحقيقة ... لا أعرف هذا !)) ... فاجأته إجابتي ... (( لكني أعتقد أنهم لا يستحقون هذه السمعة ، أليس هذا صحيحاً؟ لانهم لم يذهبوا إلى المحمية أبداً ... صحيح ؟)) ... بدا أن تذكيري الواضح له بالاتفاق الذي يلزم قبيلته ويحميها قد أفحمه ... قال موافقاً بعينين يقظتين : (( هذا صحيح! ... يبدو أنك ... يبدو أن لديك معلومات واسعة عن أسرة كولن ... أوسع مما كنت أتوقع !)) .

حدقت فيه وقلت : (( لعلها أفضل حتى من معلوماتك!))
شد على شفتيه السميكتين مفكراً في عبارتي ثم قال : (( لعلها كذلك !)) .. لكن الفطنة التمعت في عينيه ... (( وهل معلومات تشارلي مثل معلوماتك؟))

لقد وجد نقطة الضعف في دفاعي ... قلت : (( تشارلي يحب أسرة كولن كثيراً )) ... من الواضح أنه أدرك مراوغتي ... كان تعبير وجهه غير مرتاح ، لكنه لم يفاجأ ... قال : (( ليس هذا من شأني ... لكنه قد يكون من شأن تشارلي )) .

(( مع أنه قد يكون من شأني أنا سواء كنت أرى أنه من شأن تشارلي أو ليس من شأنه ، صحيح !))

لا أعرف إن كان قد فهم عبارتي المشوشة هذه التي حاولت فيها عدم الايحاء بأي مهادنة ... يبدو أنه فهمها . راح يفكر فيها في حين كان وقع المطر يشتد على السقف . كان هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت .

وافقني أخيراً : (( نعم ! ... أظن أنه من شأنك أيضاً )) .
صدرت عني زفرة راحة : (( سكراً يا بيلي )) .
قال مطالباً : (( فكري فقط فيما تفعلين يا بيلا)) .
قلت موافقة : (( طيب !))
عبس وقال : (( ما أقصد قوله هو : لا تفعلي ما تفعلينه الان !))

نظرت في عينيه فلم أجد فيهما إلا الاهتمام بي والقلق من أجلي .. . لم أجد شيئاً أقوله .

في تلك اللحظة انفتح باب المنزل مصدراً صوتاً عالياً جعلني أقفز من مكاني . وصل صوت جايكوب المتذمر قبل أن يصل صاحبه : (( لم أجد الصورة في السيارة )) . كان كتفا قميصه مشبعين بماء المطر ... كان الماء يقطر من شعره أيضاً عندما رأيناه يدخل الصالة .

قال بيلي وهو يدور بكرسيه ليواجه ابنه : (( هممم ! أظن أنني نسيتها في البيت )) .

فتح جايكوب عينيه بطريقة مأساوية : (( عظيم !))
(( لا بأس! بيلا ... أخبري تشارلي )) ... توقف برهة ثم تابع ... (( أقصد أبريه أننا أتينا!)) .
قلت : (( سأبره )) .
فوجئ جايكوب : (( هل سنذهب بهذه السرعة ؟))
أوضح له بيلي وهو يدفع كرسيه متجاوزاً إياه : (( سوف يتأخر تشارلي كثيراً )) .

بدت خيبة الامل على وجه جايكوب : (( أوه! ... طيب ... أراك فيما بعد يا بيلا )) .
قلت موافقة : (( طبعاً!))
قال بيلي محذراً : (( انتبهي لنفسك )) ... فلم أجبه .

ساعد جايكوب والده في الخروج . لوحت بيدي مودعة وأنا ألقي نظرة سريعة إلى سيارتي الخالية الان . ثم أغلقت الباب قبل أن يذهبا .

وقفت في الممر قليلاً مصغية إلى صوت سيارتهما عندما تراجعت قليلاً ثم انطلقت ذاهبة . بقيت حيث أنا أنتظر زوال قلقي وانزعاجي . وعندما خف توتري بعض الشيء صعدت إلى غرفتي حتى أغير ملابسي .

جربت قميصين مختلفين ... لم أكن أعرف ما الذي يجب أن أتوقعه الليلة . بدا ما جرى الان قليل الاهمية عندما رحت أفكر فيما هو آتٍ . بدأت أفهم الان ... دون تأثير جاسبر وإدوارد ... سبب عدم خوفي من قبل . تخليت سريعاً عن محاولة اختيار ملابسي فارتديت بنطلوناً من الجينز وقميصاً قطنياً قديماً ... كنت أعرف أنني سأظل مرتدية معطفي المطري طيلة الليل .

رن الهاتف فاندفعت إلى الاسفل حتى أجيب . صوت واحد أريد سماعه الان ... أي صوت غيره سيخيب أملي ... لكنني كنت أعرف أنه لو أراد الكلام معي لوجدته واقفاً في غرفتي على الارجح .

قلت مبهورة الانفاس : (( ألو!))
جاءني صوت جيسيكا : (( بيلا ! هذا أنا )) .
(( أوه ! جيسيكا )) ... كافحت لحظة حتى أعود إلى العالم الحقيقي . أحسست أن شهوراً مضت ، لا أياماً ، منذ أن تحدثت معها آخر مرة ... (( كيف كانت الحفلة ؟))

قال سعيدة : (( كانت جميلة جداً )) ... لم تكن بحاجة إلى أي سؤال إضافي فاندفعت تسرد تفاصيل الليلة الماضية دقيقة بدقيقة . رحت أقول (( نعم )) و (( أوه )) و (( همممم )) في الاماكن المناسبة . لكن التركيز على حديثها لم يكن سهلاً . ظلت عيناي تلتفان إلى النافذة في محاولة لتقدير كمية الضوء الباقية في السماء من خلف السحب الكثيفة .

سألتني جيسيكا منزعجة : (( هل سمعت ما قلته يا بيلا ؟))
(( آسفه !... ماذا ؟))
(( قلت لك إن مايك قبلني ! هل تصدقين هذا ؟))
(( رائع يا جيسيكا )) .

قالت متحدية : (( إذن ، وماذا فعلت أنت الليلة الماضية ؟)) ... ما زال يبدو في صوتها انزعاج بسبب قلة انتباهي . أو لعلها انزعجت لانني لم أسأل عن التفاصيل .

(( الحقيقة ...لا شيء ! تجولت قليلاً في الخارج حتى أستمتع بالشمس )) .

سمعت صوت سيارة تشارلي تقف أمام المنزل .
(( هل سمعت شيئاً جديداً من إدوارد كولن ؟))

سمعت صوت إطباق الباب وسمعت صوت تشارلي تحت السلم يعلق معطفه .
(( هممم !)) ... قلت مترددة غير واثقة مما أقول .

(( مرحباً يا طفلتي )) ... حياني تشارلي في طريقه إلى المطب فلوحت له بيدي .

سمعت جيسيكا صوته : (( أوه! والدك في المنزل . لا بأس ... نتحدث غداً . أراك في درس المثلثات )) .
(( أراك غداً يا جيسيكا !)) ... وضعت السماعة .

قلت : (( مرحباً أبي !)) ... كان يغسل يديه في المجلى ... (( أين السمك ؟))
(( وضعته في الثلاجة )) .
(( سوف أخرج بعض القطع قبل أن تتجمد .... أحضر بيلي بعد الظهر بعض الاسماك المقلية من عند هاري كليرووتر )) ... حاولت أن أبدو متحمسة .
أشرقت عينا تشارلي : (( حقاً ... هذه أكلتي المفضلة )) .

تابع تشارلي غسل يديه فيما رحت أحضر العشاء . لم يستغرق الامر طويلاً قبل أن نجلس إلى الطاولة ونبدأ الاكل صامتين . كان تشارلي مستمتعاً بالسمك المقلي . رحت أفتش يائسة عن الطريقة المناسبة لأداء مهمتي ... حاولت التفكير في طريقة لفتح الموضوع .

سألني : (( ماذا فعلت اليوم ؟)) فانتزعني من أفكاري .
(( تجولت قليلاً حول المنزل بعد الظهر ...)) جزء صغير من نهاية بعض الظهر في الحقيقة . حاولت أن أافظ على صوتي طبيعياً ، لكني شعرت بقرصة في معدتي ... (( وفي الصباح ذهبت إلى بيت كولن )) .

سقطت الشوكة من يد تشارلي وسألني مدهوشاً : (( بيت الدكتور كولن ؟))
تظاهرت أنني لم ألاحظ دهشته : (( نعم !))
(( ماذا ذهبت تفعلين هناك ؟)) ... لم يلتقط شوكته بعد .
(( لدي موعد مع إدوارد كولن الليلة ... وقد أراد أن يعرفني على أبويه ... يا أبي )) .

اندفع الدم إلى وجهه فسألته : (( أبي ! هل أنت بخير ؟))
قال بصوت مرتفع : (( هل ستخرجين مع إدوارد كولن ؟))
(( ظننت أنك تحب أسرة كولن !))
أجابني بحدة : (( إنه أكبر منك كثيراً )) .
صححت له : (( نحن في صف واحد )) ... كان محقاً أكثر مما يمكن أن أتخيل .
(( مهلاً !...) توقف قليلاً ... (( من منهم إدوين ؟))
(( اسمه إدوارد ... وهو أصغرهم .... إنه ذو الشعر البني المحمر )) ... الجميل ...

(( أوه... طيب ! أظن أن هذا ... أفضل . لا أحب نظرة الكبير أعرف أنه ولد لطيف وكل شيء ، لكنه يبدو ... أكبر مما يجب بالنسبة لك . وهل إدوين صديقك ؟))
(( اسمه إدوارد يا أبي )) .
(( هل هو صديقك ؟))
(( نوعاً ما ... أظن !))
(( قلت البارحة أنك لست مهتمة بأحد في البلدة )) ... لكنه التقط الشوكة من جديد فعرفت أن اللحظة الصعبة انتهت .
(( اممم! ... إدوارد لا يعيش في البلدة يا أبي )) .


ألقى إلي نظرة استخفاف وهو يمضغ لقمته .
تابعت : (( على كل حال ... ما زال الامر في بدايته ... لا تحرجني في الكلام ... موافق ؟))
(( متى سيأتي ؟))
(( سيكون هنا خلال دقائق )) .
(( أين يأخذك ؟))

زفرت بصوت مرتفع : (( أرجو أن تتخلى الان عن طريقة محاكم التفتيش الاسبانية ! سنذهب لنلعب البيسبول مع أسرته )) .

تغضن وجهه ثم ضحك أخيراً : (( أنت ! ... ستلعبين البيسبول !))
(( الواقع أنني سأكون متفرجة أكثر الوقت )).
قال بصوت مرتاب : (( يبدو أن هذا الشاب أعجبك فعلاً !))

تنهدت وفتحت عيني واسعتين حتى أريحه .
سمعت صوت سيارة تقف أمام المنزل . قفزت من الكرسي وبدأت أنظف الصحون .

(( اتركي الصحون !.... سأنظفها أنا الليلة . أنت تفرطين في دلالي )) .

رن جرس الباب فذهب تشارلي ليفتحه ... كنت على مسافة نصف خطوة من خلفه .
لم أدرك شدة المطر في الخارج . كان إدوارد واقفاً في ضوء مصباح الرواق أمام الباب وكان يبدو في معطفه المطري مثل عارض أزياء في أد الاعلانات

(( تفضل يا إدوارد )) .
تنفست الصعداء عندما نطق تشارلي اسمه بالشكل الصحيح .
قال إدوارد بصوت ملؤه الاحترام : (( شكراً سيدي رئيس الشرطة )) .
(( نادني تشارلي ... هات ! أعطني معطفك )) .
(( شكراً سيدي )) .
(( اجلس يا إدوارد ))

جلس إدوارد بركة انسيابية على الكرسي الوحيد في الغرفة فأجبرني على الجلوس بجانب رئيس الشرطة على الاريكة . قذفته بنظرة غاضبة فغمزني من خلف ظهر تشارلي .

(( سمعت أنك ستأخذ فتاتي لتتفرج على لعبة البيسبول !)) ... في هذه الولاية فقط ، يكون عادياً أن يذهب الناس لممارسة الرياضة في الهواء الطلق رغم المطر الشديد .

(( نعم يا سيدي ... هكذا اتفقنا )) ... لم تظهر أي دهشة على إدوارد من أنني قلت الحقيقة لوالدي ... لعله كان يستمع إلينا !
(( عظيم ! أظن أن هذا يمنحك مزيداً من الطاقة ))

ضحك تشارلي وشاركه إدوارد الضحك .
نهضت واقفة : (( كفاكم سخرية مني ... فلنذهب !)) ... عدت إلى ردهة المنزل وأخذت سترتي . سارا من خلفي ... قال تشارلي : (( لا تتأخر كثيراً !)) .

وعده إدوارد : (( لا تقلق يا تشارلي ... سأعيدها إلى البيت باكراً ))
(( انتبه لابنتي !))

أصدرت صوتاً متذمراً ، لكنهما تجاهلاني .
(( ستكون بأمان معي ... أعدك بهذا يا سيدي )) .
لم يكن تشارلي ليشك في صدق إدوارد ... كان الصدق ينضح من كل كلمة قالها .

خرجت ... ضحك الاثنان ... ثم تبعني إدوارد .

تجمدت عند مدخل المنزل . رأيت ... خلف سيارتي ... سيارة جيب عملاقة . كان ارتفاع عجلاتها أعلى من خصري ... وكانت مصابيحها الامامية والخلفية محمية بقضبان معدنية ... إضافة إلى أربعة كشافات ضخمة
مثبتة على مصدمها . كان لونها أحمر لا معاً .

أطلق تشارلي صفرة خفيفة ثم قال لنا مازحاً : (( ضعا أحزمة الامان )).

لحق بي إدوارد ليفتح لي باب السيارة .. قدرت بنظري المسافة وتأهبت للقفز . تنهد إدوارد ثم رفعني إلى المقعد بيد واحدة ... ليت تشارلي لا يلاحظ هذا .

عندما مضى إدوارد بخطوات عادية ... بشرية ... ليجلس في مقعده حاولت وضع حزام الامان لكني وجدت فيه كثيراً من المشابك فسألته عندما فتح بابه : (( ما هذا كله ؟))
(( إنها أحزمة من أجل السير خارج الطريق ... في البرية !))
(( أوه!))

حاولت العثور على المكان الصحيح لكل مشبك ، لكن العملية كانت بطيئة . تنهد إدوارد من جديدي ومد يده حتى يساعدني . سرني أن المطر الشديد ما كان يسمح لي برؤية تشارلي بوضوح عند باب المنزل .

هذا يعني أنه لم يكن يستطيع أيضاً رؤية يد إدوارد على رقبتي ... تخليت عن محاولة مساعدته ورحت أركز على عدم اللهاث .

شغل إدوارد المحرك وسار بالسيارة مبتعدة عن المنزل .
(( إنها .... هممم جيب كبيرة جداً )) .
(( إنها سيارة إيميت . توقعت أن لا ترغبي في الجري كل تلك المسافة ))
(( أين تحتفظون بهذه السيارت ؟))
(( لقد حولنا أحد المباني الخارجية إلى مرآب )) .
(( ألن تضع حزام الامان ؟))

ألقى علي نظرة غير مصدقة ... ثم انتبهت : (( الجري كل تلك المسافة ؟ هل تقصد أننا سنجري جزءاً من الطريق ؟)) ... ارتفع صوتي قليلاً .

ابتسم : (( لن يكون عليك أن تجري !))
(( سأصاب بالدوار بسبب الجري )) .
(( ستكونين بخير اذا أبقيت عينيك مغمضتين )) .

عضضت شفتي محاولة كبح خوفي .
انحنى نحوي وقبل جبهتي ... سمعته يئن فنظرت إليه بدهشة .
قال موضحاً : (( رائحتك طيبة جداً في المطر )) .
سألته بحذر : (( هل هذا جيد أم سيئ ؟))
أطلق زفرة وقال : (( الاثنان معاً ... دائماً ... الاثنان معاً!))

لا أعرف كيف كان يجد طريقه في الظلام والمطر الغزير . لكنه وجد طريقاَ فرعياً كان أقل من طريق وأكثر من درب جبلي . كان الحديث مستحيلاً فترة طويلة من الزمن لان جسمي كان يقفز فوق المقعد قفزاً عنيفاً . لكن إدوارد بدا مستمتعاً بالقيادة في ذلك الطريق ....
كانت ابتسامة كبيرة تعلو وجهه طيلة المسافة .

ثم ... بلغنا آخر الطريق . كانت الاشجار تشكل جدراناً خضراء حول الجيب من ثلاث اتجاهات . تحول المطر إلى رذاذ خفيف ... كان يخف كل لحظة . وبدت السماء أكثر سطوعاً من خلف الغيوم .

(( آسف يا بيلا ! بعد هذه النقطة علينا المتابعة على الاقدام )) .
(( هل تعرف ؟ سأنتظر هنا !))
(( أين ذهبت شجاعتك كلها ؟ كنت شجاعة جداً هذه الصباح ))
(( لم أنس المرة الاخيرة !)) ...

خرج من السيارة ودار حولها حتى صار عند بابي ... مثل لمح البصر . بدأ يفك أحزمتي .

قلت محتجة : (( سأفكها بنفسي ... اذهب أنت )) .
قال : (( هممم ...)) وانتهى من فكها ... (( يبدو أنني سأعبث بذاكرتك )) .

أخرجني من الجيب قبل أن أستطيع الرد واوقفني على الارض . توقف رذاذ المطر الان ... لقد كانت أليس محقة !

سألته بعصبية : (( تعبث بذاكرتي ... كيف ؟))
(( شيء من هذا القبيل !)) ... كان ينظر إلي بانتباه وحرص ، لكن الدعابة كانت تلوح عميقاً في عينيه . وضع يديه الاثنتين على السيارة فصار رأسي بينهما ثم انحنى إلى الامام فجعلني أضغط بظهري على الباب . انحنى أقرب فأقرب ... صار وجهه قريباً جداً من وجهي ... ما عاد لدي متسع للهرب .

(( الان...! )) قالها همساً فشوشت أنفاسه أفكاري ... (( ما الذي يشغل بالك بالضبط ؟))
(( آ ... الاصطدام بإحدى الاشجار ... ثم الموت . ثم الاصابة بالدوار !))

حاول كبح ابتسامته ... ثم خفض رأسه فوضع شفتيه الباردتين برقة على أسفل رقبتي ... وتمتم : (( هل ما زلت قلقة الان ؟))

كافحت حتى أحافظ على تركيز أفكاري : (( نعم! خائفة من الاصطدام بالاشجار ومن الاصابة بالدوار )) .

سارت شفتاه من أسفل رقبتي حتى ذقني ... كانت أنفاسه الباردة تدغدغ جلدي .
همست شفتاه عند ذقني : (( والان؟))
قلت لاهثة : (( الاشجار ! ... دوار السرعة !))

رفع وجهه وقبل جفوني : (( بيلا!... هل تعتقدين حقاً أنني يمكن أن أصطدم بشجرة ؟))
(( أنت ... لا! قد أصطدم أنا )) ... ما كان صوتي يوحي بأي ثقة ... شم رائحة نصر سهل .

راح يقبلني ببطء منتقلاً فوق وجنتي حتى توقف عند زاوية فمي تماماً : (( هل يمكن أن أدع شجرة تصيبك ؟)) ... مست شفتاه شفتي السفلى المرتعشة مساً خفيفاً .

همست : ((لا!)) ... كنت أعرف أنني نسيت جزءاً من دفاعي عن موقفي ، لكنني لم أستطع تذكر ذلك الجزء .
(( أنت ترين إذن أن لا شيء يدعو للخوف !)) ... قال هذا فيما راحت شفتاه تتحركان نحو شفتي .
همست مستسلمة : (( صحيح!))

ثم ... أمسك وجهي بين يديه بحركة خشنة قليلاً وقبلني بشغف ... راحت شفتاه تضغطان فوق شفتي .

لا عذر لي أبداً عن سلوكي . صرت أعرف أكثر الان ... لكنني لم أستطع منع نفسي من الاسجابة ... تماماً كما فعلت في المرة الاولى .

بدلاً من البقاء بأمان دون أي حركة ارتفعت ذراعي وانعقدتا بإحكام خلف رقبته والتحمت بجسمه الحجري التحاماً ... تنهدت ... وانفرجت شفتاي .

تراجع إلى الخلف مترنحاً فاكاً قبضتي عن رقبته دون جهد يذكر ...
قال لاهثاً : (( بيلا! ستكونين سبب موتي ... أقسم أنك ستكونين سبب موتي )) .

انحنيت إلى الامام ووضعت كفي على ركبتي حتى لا أقع ... غمغمت محاولة التقاط أنفاسي : (( أنت لا تموت !))

زمجر قائلاً : (( كنت أظن هذا قبل أن أعرفك أنت ... الان ، دعينا نذهب من هنا قبل أن أفعل شيئاً غبياً حقاً )) .

ألقى بي على ظهره كما فعل في المرة الماضية ... كنت أرى الجهد الوائد الذي بذله حتى تكون حركته رقيقة كما في المرة الاولى .
أطبقت ساقي على خصره ولففت ذراعي حول عنقه كأني أخنقه .
حذرني بصوت عنيف : (( لا تنسٍ إغماض عينيك )) .
دفنت وجهي في كتفه ... تحت ذراعي ... وشددت جفني عيني المغمضتين .

لم أكد أشعر بالحركة . أحسست به ينزلق تحتي لكن ... لعله يسير على تلك الدرب سير الهوينا ... كانت الحركة سلسة إلى أقصى حد . ألح علي إغراء فتح عيني قليلاً حتى أنظر إن كان يطير حقاً عبر الغابة كما فعل في المرة الماضية ... لكنني قاومت الاغراء . لم يكن الامر يستحق الاصابة بذلك الدوار المخيف . قنعت بالاصغاء إلى صوت تنفسه الهادئ .

لم أعرف أننا توقفنا إلا عندما مد يده فلمس شعري : (( انتهى الامر يا بيلا!))

تجرأت ... ففتحت عيني ... نعم ... لقد توقفنا . فككت يدي وذراعي وانزلقت إلى الارض فسقطت على ظهري .

صدرت مني آهة عندما اصطدمت بالارض الرطبة ... نظر إلي نظرة غير واثقة ... لم يذهب غضبه بعد ... كان غضبه يصارع رغبته في السخرية مني . لكن تعبير وجهي المضطرب حسم الصراع فجعله ينفجر ضاحكاً . نهضت متجاهلة ضحكاته ... رحت أزيل الوحل عن نفسي وأنفض ظهر سترتي بيدي . زاد في ضحكه فغضبت ومشيت بسرعة متوغلة في الغابة ... مبتعدة عنه .

أحسست بذراعه حول خصري : (( أين تذهبين يا بيلا؟))
(( ذاهبة لأتفرج على لعبة البيسبول . يبدو أنك لم تعد مهتماً بها ... لكنني واثقة من أن الاخرين سيلعبون ... حتى من غيرك )) .
(( أنت ذاهبة في اتجاه خاطئ !))

استدرت دون أن أنظر إليه ... ومضيت في الاتجاه المعاكس ... أمسك بي من جديد .
(( لا تكوني مجنونة .. لم أستطع منع نفسي من الضحك . ليتك رأيت شكل وجهك !)) ... ضحك غير قادر على كبح نفسه .

سألته رافعة حاجبي : (( حقاً ! هل أنت الشخص الوحيد المسموح له بأن يغضب ؟))
(( لم أغضب منك أنت !))
قلت بصوت لاذع مقلدة كلامه : (( بيلا! ستكونين سبب موتي )) .
(( لم أكن غاضباً ... كنت أقرر حقيقة فحسب ))

حاولت الاستدارة بعيداً عنه مرة ثانية ، لكنه أمسكني بسرعة فقلت بإصرار : (( لقد كنت غاضبا!))
(( نعم!))
(( لكنك قلت الان ...!))
(( قلت إنني لم أغضب منك . ألا تدركين هذا يا بيلا ؟))... صار متوتراً بشكل مفاجئ وغابت كل آثار المزاح ... (( ألا تفهمين ؟))

قلت : (( أفهم ماذا ؟)) ... حيرني انقلاب مزاجه بقدر ما حيرتني كلماته .
(( أنا لا أغضب منك أبداً ... كيف أستطيع أن أغضب منك ؟ أنت الشجاعة ... الواثقة من نفسك ... الدافئة ... ))

همست : (( لماذا إذن ؟ )) تذكرت ما جعله يبتعد عني ... تذكرت ما كنت أفسره دائماً بأنه قنوط مبرر ... قنوط بسبب ضعفي وبطئي وردود أفعالي البشرية الخاطئة ...
وضع كفيه باحتراس على جانبي وجهي وقال برقة : (( أنا أغضب من نفسي ... أغضب لانني أحس نفسي عاجزاً عن عدم تعريضك للخطر . وجودي نفسه خطر عليك . أنا أكره نفسي أحياناً . يجب أن أكون أقوي ... يجب أن أستطيع ...))

وضعت يدي على فمه : (( كفى !))
أمسك بيدي وأبعدها عن شفتيه ، لكنه وضعها على وجهه وقال : (( أحبك ! ... ليس هذا عذراً لما أفعله ... لكنه صحيح )) .

هذه أول مرة يقول إنه يحبني ... بهذه الكلمات كلها . لعله لم يدرك الامر ... أما أنا فقد أدركته .

تابع كلامه : (( والان ... حاولي من فضلك أن تحسني سلوكك )) .... ثم انحنى ومست شفتاه شفتي .

بقيت ساكنة كما ينبغي .. ثم تنهدت : (( تذكر أنك وعدت رئيس الشرطة بأن تعيد ابنته إلى البيت باكراً ! من الافضل أن نذهب )) .
(( حاضر يا سيدتي )) .

ابتسم ابتسامة حزينة ثم أفلتني ... لم يعد يمسكني إلا من يدي . قادني خطوات قليلة عبر نباتات السرخس الرطبة وعبر الطحالب المتدلية من الاشجار ... ثم انعطفنا حول شجرة ضخمة ... وصلنا ! صرنا عند حافة حقل منبسط هائل عند حضن قمم جبال أولمبيك . كانت مساحة الحقل ضعفي مساحة ملعب البيسبول .

رأيت الجميع هناك : إيزمي وإيميت وروزالي ... جالسين على صخور عارية كانت أقربها تبعد نحو مئة متر . وعلى مسافة أبعد رأيت جاسبر وأليس ... كانت بينهما مسافة لا تقل عم 400 متر ، وكانا يتقاذفان شيئاً جيئة وذهاباً ... لكنني لم أر أي كرة بيسبول . بدا لي أن كارلايل كان يحدد أماكن القواعد ... هل يمكن أن تكون متباعدة إلى هذا الحد ؟

نهض الثلاثة عن الصخور عندما ظهرنا . نظرت إيزمي باتجاهنا ... ثم نظر إيميت أيضاً بعد نظرة طويلة صوب ظهر روزالي التي نهضت برشاقة وابتعدت نحو الحقل دون أن تنظر في اتجاهنا . أحسست بمعدتي تتقلص لذلك .

سألت إيزمي وهي تقترب مني : (( هل كان ما سمعناه صوتك يا إدوارد ؟))
قال إيميت : (( بدا مثل صوت دب يختنق !))
ابتسمت لايزمي مترددة وقلت : (( نعم! كان صوته هو ))
قال إدوارد موضحاً : (( كانت بيلا مضحكة جداً دون أن تقصد ذلك !)) ... قالها بسرعة منهياً الموضوع .

كانت أليس قد تركت موقعها وأقبلت نحونا جرياً ... أو رقصاً ! وقفت عندنا تماماً وقالت : (( حان الوقت )) .

مع كلمتها تماماً انفجر هدير رعد عميق فهز الغابة خلفنا ثم انداح غرباً نحو البلدة .

غمزني إيميت بعينه وقال دون كلفة : (( أليس الرعد مخيفاً ؟))
أمسكت أليس بيد إيميت قائلة : (( فلنذهب !)) ... وانطلقنا في الحقل الواسع ... كانت تجري كالغزال .. أما هو فما كانت مقارنته بالغزال سهلة رغم رشاقته وسرعته .

سألني إدوارد بعينين لامعتين ... متشوقتين : (( هل أنت مستعدة للعبة ؟))
حاولت إظهار حماسة مناسبة : (( أمسك بهم !))
ابتسم ومسح بيده على شعري ثم انطلق خلفهما . كان جريه أكثر عنفاً ... كالفهد لا كالغزال ... سرعان مالحق بهما . كان مشهد تلك الرشاقة والقوة شيئاً يقطع الانفاس .

سألتني إيزمي بصوتها الموسيقي الهادئ : (( هل نذهب ؟)) ... فأدركت أنني كنت أنظر إليه فاغرة فمي . أغلقت فمي وأومأت برأسي . سرنا ... حافظت إيزمي على مسافة خطوات قليلة بيننا فتساءلت في نفسي عما اذا كانت تحاول عدم إخافتي . كانت خطواتها تساير خطواتي دون أن يبدو عليها أي نفاذ صبر .

سألتها بخجل : (( ألن تلعبي معهم ؟))
((لا! أفضل دور الحكم )) ... أضافت موضحة : (( أحب أن أجعلهم صادقين )) .
(( هل يحبون الغش في اللعب ؟))
(( أوه ... نعم! انتظري حتى تسمعي مجادلاتهم ! الواقع أنني أود أن لا تسمعي تلك المجادلات فسوف تجعلك تظنين أنهم ترعرعوا ضمن قطيع من الذئاب )) .
ضحكت للمفاجأة : (( أنت تتكلمين مثل أمي !))
ضحكت أيضاً : (( نعم !... أعتبرهم أبنائي من معظم النواحي . لا أستطيع تجاوز غريزة الامومة ... هل قال لك إدوارد إنني فقدت طفلاً ؟))

تمتمت : (( لا!)) ... دهشت ... حاولت إدراك بعد الزمن الذي تتذكره .
(( نعم! كان طفلي الاول والوحيد . مات بعد أيام قليلة من ولادته ... ذلك المسكين الصغير !)) تنهدت وتابعت : (( لقد كسر قلبي ... هذا ما جعلني ألقي بنفسي من فوق الجرف ))

قلت متلعثمة : (( قال إدوارد إنك سقطت !))
ابتسمت : (( إنه لطيف دائماً !... كان إدوارد أول أبنائي الجدد . أنظر إليه بهذه الطريقة دائماً رغم أنه أكبر مني ، من ناحية واحدة على الاقل )) ... ابتسمت لي ابتسامة دافئة ... (( هذا سبب سعادتي بأنه وجدك ياعزيزتي )) ... خرجت كلمة عزيزتي من شفتيها طبيعية جداً ... (( لقد كان الوحيد بيننا مدة طويلة جداً ... يؤلمني أن أراه وحيداً ))

سألتها : (( أنت لا ترين إذن ...)) ترددت ... (( أنني ... لست مناسبة له ؟))
((لا!)) ... فكرت قليلاً ... (( أنت من يريدها . سينجح الامر .... على نحو ما !)) .... قالت هذا وتغضن جبينها قلقاً ... انفجر الرعد من جديد .

توقفت إيزمي ... لابد أننا وصلنا إلى حافة الملعب . بدا لي أنهم انتظموا في فريقين . كان إدوارد في الناحية البعيدة من الجهة اليسرى . وكان كارلايل واقفاً بين القاعدتين الاولى والثانية . أما أليس فكانت تمسك بالكره ... كانت واقفة عند نقطة الارسال .

كان إيميت يلوح بمضرب من الالمنيوم وكان المضرب يصفر في الهواء ولا تكاد العين تراه لسرعته . انتظرت حتى يتقرب من أليس ليتلقى الكرة . لكنني أدركت أنه قد اتخذ موقعه فعلاً وأنه أبعد بكثير من الحد المعقول . كان جاسبر خلفه بخطوات قليلة حتى يلتقط الكرة من أجل الفريق الاخر . لم يكن أي منهم يرتدي قفازات البيسبول .

صاحت إيزمي بصوت صاف واضح ... علمت أن إدوارد يسمعه من مكانه البعيد : (( بدأت اللعبة )) .

وقفت أليس منتصبة دون أي حركة ظاهرة . كانت تمسك الكرة بيديها الاقنتين عند وسطها ... ثم ... بسرعة خاطفة مثل لسعة الكوبرا ... تحركت يدها اليمنى فصارت الكره في يد جاسبر .

همست لإيزمي : (( هل هذه نقطة ؟))
أجابت : (( تكون نقطة اذا لم يضربها )) .

أرسل جاسبر الكرة من جديد إلى يد أليس المنتظرة . ابتسمت أليس ابتسامة صغيرة ثم تحركت يدها ثانية فقذفت الكرة .

لا أعرف كيف أصاب المضرب تلك الكرة غير المرئية . كان صوت الاصطدام مدوياً مثل الرعد ... رددت الجبال صداه . فهمت عند ذلك ضرورة العاصفة الرعدية . طارت الكرة عبر الملعب مثل شهاب وذهبت عميقاً في الغابة المحيطة بنا .

تمتمت : (( ضربة كاملة !))
قالت إيزمي : (( انتظري !)) ... راحت تصغي بانتباه رافعة يدها جرى إيميت مثل لمح البصر حول القواعد ... كان كارلايل في إثره تماماً . أدركت أن إدوارد غاب عن الانظار .

صاحت إيزمي بصوت واضح : (( خارج الملعب !)) ... حدقت غير مصدقة فرأيت إدوارد يخرج من الغابة رافعاً الكرة بيده ... كانت ابتسامته الواسعة واضحة من بعيد ... حتى لعيني أنا !

قالت إيزمي موضحة : (( إيميت هو صاحب الضربة الاقوى ... لكن إدوارد هو الاسرع )) .

تواصلت اللعبة أمام عيني غير المصدقتين . لم أستطع متابعة سرعة طيران الكرة وسرعة تحرك أجسادهم في الملعب . فهمت السبب الاخر الذي جعلهم ينتظرون العاصفة الرعدية حتى يلعبوا الكرة عندما أراد جاسبر التخلص من ملاحقة إدوارد اللصيقة فضرب الكرة بالارض باتجاه كارلايل . اعترض كارلايل الكرة ورا يسابق جاسبر حتى القاعدة الاولى . كان صوت اصطدامهما مثل اصطدام صخرتين عملاقتين . قفزت من مكاني قلقة . .. لكن شيئاً لم يصب أياً منهما.

قالت إيزمي بصوت هادئ : (( نقطة !))
أحرز فريق إيميت نقطة ... نجحت روزالي في الطيران من قاعدة لاخرى بعد أن التقطت إحدى كرات إيميت الطويلة ... ثم حقق إدوارد نقطة ثالثه ... ظهر فجأة بجانبي وهو يفيض إثارة ... سألني : (( ما رأيك ؟))

(( أمر واحد مؤكد ... لن أستطيع بعد الان أن أجلس لأشاهد مباريات فرق الدرجة الاولى في البيسبول ... إنها بليدة جداً!))
قال ضاحكاً : (( وكأنك شاهدت كثيراً منها قبل الان !))
قلت حتى أضايقه : (( لقد خاب أملي قليلاً )) .
سألني محتاراً : (( لماذا؟))
(( طيب! سيكون أمراً لطيفاً اذا استطعت أن أجد شيئاً واحداً لا تكون بارعاً فيه أكثر من أي شخص آخر في الدنيا )) .
ابتسم ابتسامته الخبيثة الخاصة فبهر أنفاسي .
قال متوجهاً إلى نقطة البداية : (( أنا جاهز!))

كان يلعب بذكاء محافظاً على الكرة منخفضة بعيداً عن متناول يد روزالي المستعدة دائماً ... استطاع اجتياز قاعدتين بسرعة البرق قبل أن يتمكن إيميت من قذف الكرة مجدداً . ألقى كارلايل إحدى الكرات بعيداً جداً خارج الملعب ... ثم اصطدم بإدوارد فصدر صوت فظيع آلم أذني ... بعد ذلك كسبت أليس خمس نقاط رائعة ... كانت حصيلة اللعبة تتغير باستمرار مع تقدمها ... كانوا يتصايحون ويتشامتون مثل أي أولاد يلعبون الكرة في الشارع . كانت إيزمي تنهرهم من حين لاخر طالبة منهم التزام النظام ... استمر قصف الرعد ... لكن المطر لم يهطل ، تماماً مثلما توقعت أليس .

جاء دور كارلايل في الامساك بالمضرب ... ودور إدوارد في التقاط الكرات ... لكن أليس زفرت فجأة . كانت عيناي على إدوارد ، كالعادة . فرأيت رأسه يلتفت نحوها في نظرة خاطفة . التقت أعينهما فسرى بينهما شيء في لحظة خاطفة ... صار إدوارد بجانبي قبل أن يتمكن من سؤال أليس عن الامر .

خرج صوت إيزمي متوتراً : (( أليس!))
همست أليس : (( لم أرهم ... لست واثقة !))
كانوا قد تجمعوا في تلك اللحظة ... سألها كارلايل بصوته الامر الهادئ : (( ما الامر يا أليس ؟))

تمتمت : (( كانوا ماضين أسرع بكثير مما ظننت . أعرف الان أنني رأيت صورة خاطئة )) .

انحنى جاسبر باتجاهها كمن يحميها . وسألها : (( ما الذي تغير ؟))
قالت منسحقة الفؤاد كما لو أنها مسؤولة عما أخافها / مهما يكن : (( سمعونا نلعب فغيروا طريقهم )) .

انصبت علي نظرات سبعة أزواج من الاعين ... لحظة قصيرة ثم انزاحت عني .
قال كارلايل مستديراً نحو إدوارد : (( كم من الوقت ؟))
عبرت وجهه لمحة من التركيز الشديد ثم قال عابساً : (( أقل من خمس دقائق . إنهم يركضون ... يريدون أن يلعبوا))
سأله كارلايل : (( هل تستطيع اجتياز المسافة كلها ؟)) ... ألقيت عيناه نظرة خاطفة صوبي من جديد .

قال إدوارد جازماً : (( لا! ليس وانا أحملها ... كما أن أخر ما نريده هم أن يلتقطوا الرائحة فيبدأوا الصيد !))
سأل إيميت أليس : (( ما عددهم ؟))
قالت بإيجاز : (( ثلاثة!))
قال هازئاً : (( ثلاثة فليأتوا)) ... توترت عضلاته الفولاذية على ذراعه .
فكر كارلايل لجزء من الثانية ... لدا ذلك الجزء زمناً طويلاً ... بدا إيميت وحده غير قلق . أما القية فراحوا يحدقون في وجه كارلايل بعيون متسائلة .

قرر كارلايل أخيراً : (( فلنتابع اللعبة !)) ... كان صوته هادئاً بارداً ...
قالت أليس : (( إن الفضول هو ما يسوقهم ... لا أكثر !))

قيل ذلك كله في كلماته قليلة استمرت بضع ثوان . لقد أصغيت بانتباه ففهمت معظم الحديث لكنني لم أستطع سماع ماهمست به إيزمي لإدوارد بحركة خفيفة صامتة من شفتيها . رأيت فقط هزة رأسه الخفيفة وتعبير الارتياح في وجهه .

قال : (( انتبهي يا إيزمي ...)) ثم وقف أمامي .
عاد البقية إلى الملعب ... كانوا يمسحون الغابة المظلمة بأعينهم الحادة . أحسست أن أليس وإيزمي وقفتا بحيث أكون بينهما .
قال إدوارد بصوت منخفض هادئ : (( أنزلي شعرك )) .

فككت الطوق المطاطي من شعري وهززت رأسي حتى نزل كله فأحاط برأسي ... قلت كمن يقرر أمراً واضحاً : (( الاخرون قادمون الان !)) .
قال : (( نعم ! عليك أن تكوني هادئة ... صامتة ... لاتتحركي من جانبي ... أرجوك )) ... كان يخفي التوتر في صوته ... لكنني أحسسته رغم ذلك . سحب شعري الطويل أمام وجهي فغطاه .

قالت أليس برقة : (( هذا لا يفيد ! ... أستطيع أن أشم رائحتها من طرف الملعب )) .
(( أعرف !)) ... لونت صوته مسحة من القنوط .
وقف كارلايل عند نقطة البداية ... انضم الاخرون إلى اللعبة غير متحمسين .
سألت إدوارد : (( ما الذي قالته إيزمي لك ؟))
تردد لحظة ثم قال متمتماً دون رغبة : (( سألتني إن كانوا ظمئين !))

مرت الثواني ... كانت اللعبة غير مثيرة الان . لم يجرؤ أحد على ضرب الكرة بقوة ... ولم يبتعد إيميت أو جاسبر أو روزالي عن وسط الملعب . ومن حين لاخر كنت أنتبه إلى نظرات روزالي باتجاهي ... رغم الوف الذي خدر عقلي . كانت وجوههم كلها من غير تعبير ...
لكن شيئاً في أسلوب امتناع روزالي عن الكلام جعلني أظن أنها غاضبة .

لم يكن إدوارد يلقى بالاً إلى اللعبة كلها ... كانت عيناه تمسحان الغابة جيئة وذهاباً ... وذهنه أيضاً .
همس بنبرة عنيفة : (( أنا آسف يا بيلا ! ... لقد كان من الغباء ... من عدم الاحساس بالمسؤلية ..أن أعرضك لهذا الامر ... أنا آسف جداً )) .

سمعته يسحب أنفاسه فجأة ... اتجهت عيناه إلى الجهة اليمنى من الملعب . خطا نصف خطوة إلى الامام واضعاً نفسه بيني وبين ما كان قادماً .

استدار كارلايل وإيميت والاخرون في الاتجاه نفسه ... كان يسمعون صوت خطى ما كنت قادرة على سماعه .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الجمعة يوليو 23, 2010 3:07 pm

الجزء الثامن عشر


الصيد







ظهروا تباعاً عند حافة الغابة . كانت المسافة بين واحدهم والاخر نحو عشرة أمتار . تراجع الذكر الاول فوراً وترك ذكراً آخر يحتل المقدمة ... لقد استدار نحو ذلك الرجل الطويل ذي الشعر الداكن بطريقة بينت بوضوح أنه كان قائدهم . كان الشخص الثالث امرأة ... ميزتها عبر تلك المسافة ... رأيت شعرها فاقعاً أحمر اللون .

ضاقت المسافة بينهم عندما راحوا يقتربون بحذر باتجاه أسرة إدوارد مظهرين الاحترام الطبيعي الذي يبديه قطيع من الضواري عندما يصادف مجموعة من جنسه أكبر حجماً ... مجموعة لا يعرفها .

مع اقترابهم رأيت اختلافهم عن أسرة كولن . كانوا يسيرون كالقطط ... تلك المشية التي تجعل القطة تبدو كأنها تهم بأن تجثم في مكانها . كانوا يرتدون ملابس عادية ... بنطلونات جينز وقمصان ذات أزرار . لكن ملابسهم كانت مشعثة رثة ... كانوا حفاة الاقدام . كان الرجلان حليقي الشعر . أما شعر المرأة البرتقالي المتوهج فكان مملوءاً بأوراق الاشجار والعيدان الصغيرة من الغابة .

سرعان ما التقطت أعينهم الحادة هيئة كارلايل الانيقة المتمدنة ... كان يسير نحوهم بخطى حذرة يحف به إيميت وجاسبر . ومن دون أي تخاطب ظاهر بينهم ، اتخذوا جميعاً هيئة عادية غير متوترة .

كان الرجل الذي في المقدمة أجملهم ... كان جلده يبدو أسمر زيتونياً تحت ياقته ... وشعره لامع السواد . كان متوسط القامة مفتول العضلات ... طبعاً ... لكنه لا يقارن بإيميت . ابتسم ابتسامة ودية مظهراً أسنانه البيضاء اللامعة .

أما المرأة أكثر فشكلها برية . وكانت عيناها تنتقلان مضطربتين بين الرجال الواقفين قبالتها وبين المجموعة الصغيرة الواقفة من حولي ... راح شعرها المشعث يتمايل مع النسيم الخفيف . كان مظهرها ماكراً غادراً . وكان الرجل الثالث يحوم خلفهما من غير اكتراث ... هو أصغر حجماً من قائد المجموعة ، ويصعب وصف شعره البني وملامح وجهه العادية . لكن عينيه ، رغم سكونهما التام ، كانتا تبدوان أكثر انتباهاً .

كانت أعينهم مختلفة أيضاً . لم يكن فيها اللون الذهبي أو الاسود الذي أتوقعه بل لون خمري عميق يثير الخوف ... ينبئ بالشؤم ... تقدم قائدهم صوب كارلايل ... لم تفارق الابتسامة وجهه .

قال بصوت مرتاح فيه لكنة فرنسية خفيفة : (( ظننا أننا سمعنا صوت لعبة تجري ... أنا لورنت ... هذه فيكتوريا ... وهذا جيمس )) . قال هذا مشيراً إلى مصاصي الدماء بجانبه .

(( أنا كرلايل ... وهذه أسرتي إيميت وجاسبر وروزالي وإيزمي وأليس وإدوارد وبيلا )) . أشار بيده إشارة عامة قاصداً عدم تحديد كل شخص باسمه . شعرت برجفة عندما ذكر اسمي .

سأله لورنت بطريقة ودية : (( هل لديكم متسع لبعض اللاعبين الاضافيين ؟))

أجابه كارلايل محاكياً نبرته الودية : (( الواقع أننا فرغنا من اللعب . لكن يسرنا أن نلعب معاً في وقت آخر . هل تعتزمون المكوث طويلاً في هذه المنطقة ؟))

(( الحقيقة هي أننا ذاهبون شمالاً . لكن الفضول جعلنا نرغب في استطلاع المنطقة . لم نصادف أحداً من جماعتنا منذ فترة طويلة )) .
(( فعلاً!... لا يوجد غيرنا في هذه المنطقة عادة ... باستثناء بعض الزوار العابرين ... مثلكم ... ))

تدريجياً ، تول الجو المتوتر إلى حديث عادي ... فهمت أن جاسبر كان يستخدم موهبته الفريدة من أجل السيطرة على الموقف .

سأل لورنت بطرقة عادية : (( ما هي منطقة صيدكم ؟))
تجاهل كارلايل الافتراض الكامن خلف السؤال : (( جبال أولمبيك هنا ... وسفوح الجبال الساحلية أحياناً . نحن نقيم في مكان ثابت هنا ... وثمة أماكن إقامة ثابتة مثل مكاننا شمالاً قرب دينالي )) .

ظهر شيء من الدهشة على وجه لورنت : (( أماكن إقامة دائمة ! كيف تستطيعون ذلك ؟)) ... كان في صوته فضول صادق .

قال كارلايل يدعوهم : (( لماذا لا تعودون معنا إلى البيت حيث نستطيع التحدث على نحو مريح ؟ إنها قصة طويلة بعض الشيء )) .

تبادل جيمس وفكتوريا نظرة استغراب عندما سمعا كلمة (( بيت)) ، لكن لورنت كانت أكثر قدرة على ضبط تعبير وجهها .

ابتسم ابتسامة لطيفة : (( يبدو هذا مشوقاً ... كما يسرنا أن نجد أنفسنا موضع ترحاب . كنا نصطاد طيلة الطريق من أونتيربو إلى هنا فلم يكن أمامنا فرصة للاغتسال والراحة لفترة من الزمن )) . قال هذا وراحت عيناه تفحصان مظهر كارلايل الانيق بإعجاب واضح .

قال كارلايل : (( آمل ألا يزعجكم قولي ، لكننا نكون شاكرين لكم كثيراً اذا امتنعتم عن الصيد في هذه المنطقة . علينا أن لا نثير الشكوك من حولنا ... أنتم تدركون هذا )) .

أومأ لورنت برأسه : (( طبعاً! لن نعتدي على منطقتكم أبداً . لقد أكلنا قرب سياتل على كل حال )) ... سرت قشعريرة في ظهري .

أضاف كارلايل : (( سندلكم على الطريق اذا أحببتم الذهاب معنا ... إيميت وأليس ... يمكنكما الذهاب مع إدوارد وبيلا لإحضار سيارة الجيب!))

حدثت ثلاثة أشياء في وقت واحد بينما كان يتكلم . هبت نسمة خفيفة فبعثرت شعري ، توتر إدوارد ، والتفت الرجل الثاني .... جيمس ... فجأة نحوي يتفحصني بعينيه ومنخراه يتشممان الهواء .

سرعان ما اتخذ الجميع وضعية متوترة للوثب . كشر إدوارد عن أسنانه متخذاً وضعية الدفاع ... خرجت زمجرة ضارية من حنجرته . لم تكن أبداً لتشبه الاصوات المحببة التي سمعتها تخرج منها هذا الصباح ... كان ذلك الصوت أكثر شيء مثير للرعب سمعته في حياتي ... سرت قشعريرة من مفرق رأسي حتى قدمي .

تساءل لورنت بدهشة صريحة : (( ماهذا؟)) ... لكن وضعية جيمس وإدوارد القتالية لم تتغير . مال جيمس قليلاً فتحرك إدوارد مثله .

(( إنها معنا !)) ... كانت إجابة كارلايل الصارمة موجهة إلى جيمس . أحسست أن لورنت لم يلتقط رائحتي كما التقطها جيمس ، لكن الحذر ظهر على وجهه الان .

ظهر الشك على وجهه ... تقدم تلقائياً خطوة إلى الامام وسأل : (( هل أحضرتم معكم طعاماً؟))

زمجر إدوارد أشد من ذي قبل وارتفعت شفته كاشفة عن أسنانه العارية اللامعة . تراجع لورنت .

صحح كارلايل بصوت قاسٍ : (( قلت إنها معنا!))
اعترض لورنت : (( لكنها بشرية !)) ... لم تكن عبارته عدوانية ... كانت تعبيراً عن الدهشة فحسب .

قال إيميت : (( نعم!)) ... كان واقفاً بجانب كارلايل مسلطاً نظراته على جيمس . تخلى جيمس تدريجياً عن وضعية الاستعداد للوثب . لكن عيناه لم تتركا عيني ... ما زال منخراه متسعين . ظل إدوارد متوتراً أيضاً كالأسد أمامي .

عندما تكلم لورنت جاء صوته مجاملاً ... محاولاً تخفيف التوتر المفاجئ: (( يبدو أن كل منا بحاجة إلى معرفة الكثير عن الاخر ))
قال كارلايل : (( هذا صحيح !)) ... ما زال صوته بارداً .
(( لكننا نود قبول دعوتكم )) ... انتقلت نظرته سريعاً إلي ثم عادت إلى كارلايل ... (( لن نؤذي الفتاة البشرية بطبيعة الحال! قلت لكم إننا لن نصطاد في منطقتكم )) .

حدق جيمس في لورنت منزعجاً غير مصدق ثم تبادل نظرة سريعة مع فكتوريا التي واصلت نقل عينيها من وجه لآخر .

ظل كارلايل يدرس تعبير لورنت الصريح لحظة من الزمن قبل أن يتكلم : (( سوف ندلكم على الطريق )) ... نادى : (( جاسبر ، روزالي ، إيزمي !)) ... تجمع الثلاثة حولي فحجبوني تماماً . صارت أليس بجانبي في لحظة واحدة . أما إيميت فتراجع ببطء ... ظلت عيناه معلقتين بجيمس وهو يعود باتجاهنا .

جاءني صوت إدوارد منخفضاً بارداً : (( فلنذهب يا بيلا !))
كنت طيلة هذا الوقت مسمرة في مكاني وقد شلني الرعب . كان على إدوارد أن يمسكني من ذراعي ويشدني بقوة حتى أستطيع التحرك . سار إيميت وأليس خلفنا تماماً ... كانا يحجباني . سرت متعثرة بجانب إدوارد و ما زال الرعب يصعقني . لم أعرف إن كانت البقية قد غادرت المكان . كان نفاذ صبر إدوارد ملموساً عندما رحنا نتحرك بخطى بشرية حتى حافة الغابة .

عندما دخلنا بين الاشجار ألقاني إدوارد على ظهره دون أن يتوقف . أمسكت به بأقصى ما استطعت من قوة فانطلق راكضاً ... وإيميت وأليس في إثره تماماً . أبقيت رأسي منخفضاً ، لكنني لم أستطع إغلاق عيني لشدة خوفي . انطلق الثلاثة مثل الاعصار عبر الغابة التي صارت مظلمة الان . كان شعور البهجة الذي رأيته من قبل يملأ إدوارد أثناء جريه غائباً تماماً في هذه اللحظة ... لقد حل محله غضب استولى عليه تماماً وجعله أكثر سرعة . ظل إيميت وأليس غير قادرين على اللحاق بإدوارد رغم وجودي فوق ظهره .

وصلنا إلى السيارة في وقت لا يصدق . لم يخفف إدوارد سرعته حتى بلغ السيارة تماماً فوضعني في المقعد الخلفي قائلاً لإيميت الذي جلس بجانبي : (( ثبتها جيداً بالاحزمة ))

جلست أليس في المقعد الامامي بينما أدار إدوارد محرك السيارة . زمجر المحرك وعادت السيارة إلى الخلف مستديرة حتى تواجه الطريق .

كان إدوارد يبرطم بسرعة شديدة جداً لم أستطع معها أن أفهم ما يقول . لكن ذلك بدا مثل سلسلة من الشتائم .

كانت الرحلة العنيفة بالسيارة أشد عنفاً الان ... جعلتها الظلمة أكثر رعباً . كان إيميت وأليس ينظران من النوافذ الجانبية .

وصلنا إلى الطريق الرئيسية . ازدادت سرعة السيارة لكنني صرت أستطيع الرؤية أفضل فعرفت اتجاهنا ... كنا منطلقين جنوباً ... بعيداً عن فوركس!
سألتهم : (( أين نذهب ؟))
لم يجبني أحد ، بل لم ينظر إلي أحد منهم .قلت : (( إدوارد ّ إلى أين تأخذني ؟))
(( علينا إبعادك من هنا ... علينا إبعادك أكبر مسافة ممكنة الان !)) ... لم يلتفت إلي ... ظللت عيناه على الطريق . كان مؤشر السرعة في السيارة يشير إلى سرعة 180 كيلومتراً في الساعة .

صحت : (( عد بنا ! عليك أن تأخذني إلى المنزل )) ... حاولت التخلص من الاحزمة الحمقاء ... ورحت أحاول فكها .

قال إدوارد : (( إيميت !)) ... فأمسك إيميت بيدي في قبضته الفولاذية .
(( لا! لا إدوارد ! لا تستطيع أن تفعل هذا )) .
(( يجب أن أفعل هذا يا بيلا ... حافظي على هدوئك ... أرجوك!))
(( لن أهدأ! عليك أن تعيدني إلى المنزل ... سوف يتصل تشارلي بمكتب التحقيقات الفيدرالي ... وسوف يستهدفون أسرتكم ... كارلايل وإيزمي ! ستضطرون إلى الرحيل ... والاختباء إلى الابد!))

أجابني بصوت بارد : (( اهدئي يا بيلا! لقد مررنا بهذا من قبل )) .
(( لم تمر بهذا وأنت معي !لن تفسد كل شيء!)) ... صارعت بعنف من أجل الافلات من قبضة إيميت ... لكن عبثاً .

تكلمت أليس للمرة الاولى : (( توقف يا إدوارد !))
ألقى نحوها نظرة غاضبة وزاد من سرعة السيارة .
(( إدوارد ! دعنا نتحدث في الامر )) .
صاح غاضباً : (( أنت لا تفهمين )) ... لم أسمع صوته مرتفعاً إلى هذا الحد من قبل ... كان يصم الاذان في تلك السيارة المغلقة ... قارب مؤشر السرعة 200 كيلومتراً في الساعة ... (( إنه يتعب الاثر يا أليس ... ألم تلاحظي ذلك ؟ إنه يتعب الاثر!))

شعرت بإيميت يتصلب بجانبي فعجبت لرد فعله إزاء تلك الكلمة . لا بد أنها تعني لم شيئاً لم أفهمه ... أردت أن أفهم . لكن ما كانت أمامي فرصة للسؤال قالت أليس بصوت هادئ : (( توقف يا إدوارد !)) ... لكني لمست في صوتها سلطة لم ألمسها من قبل .

تجاوزت السرعة الـ 210 كلم . وعندها رفعت أليس وتيرة صوتها : (( افعل كما قلت لك يا إدوارد !))
(( اسمعيني يا أليس . لقد رأيت ما بذهنه . إن التعقب في طبعه ... إنه مولع به ... وهو يريدها يا أليس ... يريدها تحديداً . سوف يبدأ صيده الليلة )) .

(( لكنه لا يعرف أين ...))
قاطعها : (( كم تظنين أنه سيستغرق من الوقت حتى يبحث عنها في البلدة ؟ لقد عقد عزمه حتى قبل أن تخرج الكلمات من فم لورنت ))

شهقت عندما عرفت ما الذي سينتج عن رائحتي : (( تشارلي ! لا تستطيعون ترك تشارلي هناك! لا تستطيعون تركه !)) ... عدت أحاول فك الاحزمة من جديد .
قالت أليس : (( إنها محقة )) .
أبطأت السيارة قليلاً ... قال أليس بصوت يحمل الرجاء : (( دعونا ننظر في خياراتنا ... دقيقة واحدة )) .

انخفضت سرعة السيارة بشكل أكثر وضوحاً ثم وقفت فجأة عند كنف الطريق . اندفع جسدي إلى الامام بفعل توقف السيارة ، لكن الاحزمة ردتني إلى المقعد .

همس إدوارد : (( ليس أمامنا أي خيار )) .
صحت : (( لن أترك تشارلي )) ... لكنه تجاهلني تماماً .
تكلم إيميت أخيراً : (( علينا أن نعيدها!))
قال إدوارد بصوت قاطع : (( لا!))
(( إنه لا يستطيع التغلب علينا يا إدوارد . لن يتمكن حتى من لمسها ))
قال إدوارد : (( لكنه سينتظر )) .
ابتسم إيميت : (( أستطيع الانتظار أيضاً!))
(( أنت لم تر ... أنت لا تفهم . عندما يقرر الصيد لا يمكن لشيء أن يثنيه عن عزمه . سيكون علينا أن نقتله !))

لم يظهر على إيميت أي انزعاج من هذه الفكرة : (( هذا أحد خياراتنا ))
(( والمرأة أيضاً ... إنها معه . اذا نشبت معركة فسوف ينضم قائدهم إليهم أيضاً)) .
(( نحن أكثر منهم )) .
جاء صوت أليس هادئاً : (( لدينا خيار آخر !))
استدار إدوارد إليها غاضباً وقال لها بصوت مزمجر : (( لا ... خيار ... آخر ... أمامنا )) .


حدقنا فيه بدهشة ... أنا وإيميت ، لكن أليس لم تظهر أي دهشة . استمر الصمت دقيقة كاملة ... طويلة ...راح خلالها إدوارد وأليس يتبادلان التحديق .

كسرت الصمت : (( ألا يريد أحد منكم سماع خطتي ؟))
زمجر إدوارد : (( لا!)) ... حدقت فيه أليس وقد استفزها أخيراً .
رجوته : (( اسمع ! عد بي !))
قاطعني : (( لا!))

حدقت فيه وتابعت كلامي : (( عد بي . سأقول لأبي أنني أريد الذهاب إلى فينيكس . سأحزم حقائبي . اذا وجدناه يراقبني فسنهرب . سوف يتبعنا ويترك تشارلي وهكذا لن يتصل تشارلي بمكتب التحقيقات ولن يتم استهداف أسرتكم . عند ذلك يمكنك أن تأخذني أينما أردت )) .

نظر الثلاثة إلي بدهشة .
فال إيميت : (( ليست فكرة سيئة ... أبداً !)) ... كانت دهشة إيميت إهانة لي بكل تأكيد .
قالت أليس : (( قد تنجح هذه الخطة ... لكن لا نستطيع أن نترك والدها دون حماية ... أنت تعرف هذا )) .

نظر الجميع إلى إدوارد فقال : (( هذا خطر جداً ... لا أريده أن يكون على مسافة أقل من مئة كيلومتر عنها )) .
قال إيميت بثقة فائقة : (( إدوارد ! ... لن يستطيع اختراقنا )) .
فكرت أليس لحظة ثم قالت : (( لا أراه يهاجمنا . سوف ياول الانتظار تى نتركها وحدها )) .
(( لن يطول به الامر قبل أن يعرف أننا لن نتركها وحدها )) .
قلت بصوت حاولت أن أجعله صارماً : (( أطلب منك أن تأخذني إلى البيت )) .
ضغط إدوارد على صدغيه بأصابعه وأغمض عينيه .
قلت بصوت خافت : (( أرجوك!))

لم ينظر إلي ... لكن صوته جاءني دافئاً عندما تكلم : (( سوف ترحلين الليلة سواء عرف ذلك الصياد برحيلك أو لم يعرف . ستقولين لتشارلي إنك لا تستطيعين البقاء في فوركس دقيقة واحدة . أخبريه أي قصة تجدينها مناسبة . احزمي أشياءك بسرعة ثم اركبي سيارتك . لا يهمني ما يقوله لك . لديك خمس عشرة دقيقة . هل تسمعينني ؟ خمس عشرة دقيقة منذ لحظة دخولك باب المنزل )) .

أدار محرك الجيب من جديد واستدار بها بعنف فزعقت إطاراتها على الطريق . وراحت سرعة السيارة تزداد .
قلت وأنا أنظر إلى يدي : (( إيميت ؟))
((آوه !...آسف)) ... ترك إيميت يدي .

مرت بضع دقائق في صمت كامل لم يعطره الا هدير المحرك . ثم تكلم إدوارد من جدبد : (( هكذا سيتم الامر . عندما نصل إلى المنزل ... اذا لم يكن الصياد هناك ... سأمشي معها حتى الباب . عند ذلك يكون أمامها خمس عشرة دقيقة )) ... نظر إلي عبر المرأة ... (( إيميت ... أنت تتولى الحراسة خارج المنزل . أليس ... أنت تتولين سيارتها . أما أنا فسأكون داخل المنزل طيلة وجودها فيه . وعندما تخرج تستطيعان أخذ سيارة الجيب والذهاب إلى البيت لإخبار كارلايل )) .

قاطعه إيميت : (( مستحيل ! ... سأبقى معك )) .
(( فكر بالامر ياإيميت ... لا أعرف مدة غيابي )) .
(( سأظل معك حتى ينجلي الامر )) .
تنهد إدوارد : (( أما اذا وجدناه هناك )) ... تابع جملته بقنوط ... (( فسوف نتابع طريقنا ))
قالت أليس بصوت واثق : (( سنصل إلى المنزل قبله )) .

بدا على إدوارد أنه قبل تلك الفكرة . مهما تكن مشكلته مع أليس فهو لا يشك في رأيها الان .
سألها : (( ماذا نفعل بسيارة الجيب ؟)) ... كانت الحدة واضحة في صوته ... (( ستذهبين بها إلى المنزل !))
أجابت بهدوء : (( لا! ... لن أذهب بها)) .

عاد إدوارد إلى سيل شتائمه الذي لا تستطيع الاذن سماعه .
همست : (( لن تتسع سيارتي لنا جميعاً)) .
لم يظهر على إدوارد ما يوحي بأنه يسمعني .
قلت بصوت أكثر هدوءاً : (( أعتقد أنكم يجب أن تتركوني أذهب وحدي )) .

سمع إدوارد هذه العبارة!
قال من بين أسنانه المطلقة : (( بيلا!... أرجوك افعلي كما أقول لك ... هذه المرة فقط )) .
قلت محتجة : (( اسمعني ! ... تشارلي ليس أبلهاً ... سوف تثور شكوكه اذا لم تكن في البلدة غداً))
(( لا أهمية لهذا . ستضمن سلامته ... هذا هو الشيء المهم!)) .

(( وماذا عن هذا الصياد ؟ لقد رأى كيف تصرفت الليلة . وسوف يعتقد أنك معي ... أينما كنت !))

نظر إيميت إلي وفي عينيه تلك الدهشة المهينة من جديد : (( أصغ إليها يا إدوارد ... أظن أنها محقة!))
قال إدوارد بصوت بارد كالجليد : (( لا أستطيع ذلك )) .
تابعت : " على إيميت أن يبقى أيضاً . لقد انتبه إلى سلوك إيميت أيضاً .

استدار إيميت نحوي : (( ماذا؟))
قالت أليس موافقة : (( سوف تتمكن منه أكثر إن بقيت هنا )) .
نظر إليها إدوارد نظرة ملؤها الشك : (( هل ترين أنني يجب أن أدعها تذهب وحدها ؟))
قالت أليس : (( طبعاًلا! .... سنأخذها أنا وجاسبر )) .

كرر إدوارد قوله : (( لا أستطيع ذلك!)) ... لكن مسحة من القبول بالامر الواقع ظهرت في صوته . لقد بدأ يفكر بشكل منطقي .

حاولت أن أبدو مقنعة : (( عليك أن تظل هنا عدة أسابيع ...)) رأيت تعبير وجهه في المرأة فعدلت جملتي ...(( بضعة أيام . فلير تشارلي أنك لم تخطفني وتنطلق بي في هذه السيارة العتيقة . احرص على جعله يفقد أثر تماماً . ثم تعال لتلتقي بي . عليك أن تسلك طريقاً متعرجاً طبعاً ... بعد ذلك يمكن لجاسبر وأليس أن يعودا)) .

رأيته أنه بدأ يفكر في الامر ... سألني : (( أين ألتقي بك؟))
(( فينيكس !)) ... طبعاً .
قال بصبر نافذ : (( لا!... سوف يفهم أنك ذاهبة إلى فينيكس )) .
(( عليك أن تجعل ذلك يبدو على شكل خدعة . سيعرف أننا نعرف أنه يستمع إلينا . لن يقتنع أبداً أنني سأذهب فعلاً إلى المكان الذي أقول إنني ذاهبة إليه!))

ابستم إيميت : (( إنها شيطانة!))
(( واذا لم ينجح ذلك ؟))
قلت له : (( في فينيكس عدة ملايين من البشر ))
(( ليس صعباً أن يستعين بدليل الهاتف )) .
(( لن أذهب إلى منزل أمي )) .
((أوه؟)) ... قالها مثل سؤال ... ظهرت في صوته نبرة توحي بالخطر .
(( صرت كبيرة بما يكفي لان أسكن وحدي ))
ذكرته أليس : (( سوف نكون معها يا إدوارد )) .
سألها بصوت قاس : (( وما الذي ستفعلونه أنتم في فينيكس ؟))
(( سنبقى في البيت !))
قال إيميت : (( تعجبني هذه الخطة !)) ... لابد أنه كان يفكر في محاصرة جيمس هنا .
(( اسكت يا إيميت !))

قال إيميت : (( انظروا ... اذا حاولنا الايقاع به قبل رحيل بيلا فسوف تزداد فرصة إصابة أحد بأذى ... إصابتها بأذى... أو إصابتك أنت عندما تحاول حمايتها . أما اذا بقي هنا وحده ... )) أنهى جملته بابتسامة بطيئة ... لقد كنت مصيبة ... إنه يفكر فعلاً في الايقاع به هنا .

كانت السيارة تسير ببطء الان فيما كنا نعود مقتربين من البلدة . شعرت بشعر ذراعي يقف رغم شجاعتي في الكلام . فكرت بتشارلي وحيداً في المنزل ... وحاولت أن أكون شجاعة .

قال إدوارد بصوت ناعم جداً : (( بيلا!)) .... راح إيميت وأليس ينظران من النوافذ ... (( اذا سمحت بأن يحدث لك أي شيء ... أي شيء ... فسوف أعتبرك مسؤولة شخصياً . هل تفهمين هذا ؟))
قلت بغصة : (( نعم!))
استدار نحو أليس : (( هل يستطيع جاسبر ذلك ؟))
(( ثق به يا إدوارد . إن سلوكه جيد جداً منذ فترة طويلة ... اذا أخذنا كل شيء بعين الاعتبار )) .
سألها : (( وهل تستطين أنت ؟))

قلصت أليس الصغيرة الجميلة شفتيها في تكشيرة مرعبة ةأصدرت زمجرة عميقة جعلتني أتكور في مقعدي خائفة .

ابستم إدوارد لها ثم قال فجأة : (( لكن ... احتفظي بآرائك تلك ... لنفسك!))


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الجمعة يوليو 23, 2010 3:11 pm







الجزء التاسع عشر


وداع





كان تشارلي ينتظرني . وكانت أنوار البيت مضاءة كلها . وجدت ذهني فارغاً تماماً عندما حاولت التفكير في طريقة لجعله يتركني أذهب . لن يكون الامر لطيفاً أبداً .


أوقف إدوارد السيارة ببطء خلف سيارتي بمسافة غير قليلة . كان الثلاثة يقظين لكنهم لبثوا ساكنين في مقاعدهم يصغون إلى كل صوت في الغابة ويحدقون في كل ظل من الضلال .... يتشممون كل رائحة ... باحثين عن أي شيء مريب . توقف محرك السيارة ... بقيت مكاني دون حركة ... أما هم فواصلوا التنصت .

قال إدوارد متوتراً : (( إنه ليس هنا ... فلنذهب !))
مد إيميت يده ليحررني من الاحزمة قائلاً بصوت خفيض مبتسم : (( لا تقلقي يا بيلا! ... سنهتم بالامر هنا سريعاً)) .

أحسست بالدموع تملأ عيني عندما نظرت إلى إيميت . لم أكد أتعرف عليه ، لكن فكرة عدم معرفتي متى يمكن أن أراه ثانية ... عذبتني ... على نحو ما . عرفت أن هذا ليس إلا مقدمة بسيطة لاكثر من وداع خلال الساعة القادمة . جعلت هذه الفكرة دموعي تنهمر .

قال إدوارد آمراً : (( أليس ، إيميت ّ))... انزلق الاثنان في الظلمة دون صوت ... غابا عن نظري فوراً . فتح إدوارد بابي وأمسك بيدي ثم مشينا ... كانت ذراعه تحضنني ... تحميني . سار بي بسرعة حتى المنزل ... كانت عيناه تجوسان الظلام من حولنا .

همس لي بصوت قاطع : (( خمس عشرة دقيقة !))
قلت : (( أستطيع أن أفعل هذا!)) ... وقد ساعدتني دموعي المهمرة على فكرة خطرت ببالي .
قلت له بصوت متوتر منخفض : (( أحبك ! سأحبك دائماً مهما حدث الان )) .
قال بنبرة عنيفة : (( لن يحدث شيء يا بيلا!))
(( التزم بالخطة ... أرجوك ! اهتم بسلامة تشارلي من أجلي . لن يحبني كثيراً بعد ما سوف يحدث الان . أود أن تسنح لي فرصة الاعتذار منه فيما بعد ))

قال بصوت ملح : (( ادخلي يا بيلا . علينا أن نستعجل )) .
همست بحرارة : (( ثمة شيء آخر !... إياك أن تصغي إلى أي كلمة آخرى أقولها اليوم !)) ... كان منحنياً نحوي فلم أجد صعوبة في الوقوف على أطراف أصابعي لأقبل شفتيه المتجمدتين المذهولتين قبلة عنيفة إلى أقصى حد استطعته . ثم استدرت وركلت الباب بقدمي فانفتح .

صرخت به عبر دموعي التي راحت تنهمر بغزارة الان : (( اتركني وحدي!)) ... صعدت إلى غرفتي جرياً ثم أغلقت الباب وأقفلته من خلفي . هرعت إلى سريري وانبطحت على الارض حتى أخرج حقيبتي من تحته . دسست يدي بسرعة بين الفراش والسرير فأخرجت الجورب القديم المعقود الذي أضع فيه نقودي .

كان تشارلي يدق بابي . جاءني صوته مذعوراً : (( بيلا... هل أنت بخير ؟ ما الذي يجري ؟))
صرخت بصوت أصاب هدفه تماماً: (( سأعود إلى المنزل !))
(( هل آذاك ؟))... بدأ الغضب يظهر في صوته .
صرخت بصوت أعلى : (( لا!)) ... استدرت نحو خزانتي فرأيت إدوارد هناك وهو يخرج كومة عشوائية من الملابس ويهم برميها نحوي .

سمعت الحيرة في صوت تشارلي : (( هل قرر أن يتركك؟))
صرخت : ((لا!)) ... انقطعت أنفاسي عندما رحت أحشر كل شيء في حقيبتي . رمى إدوارد محتويات درج آخر باتجاهي . امتلأت الحقيبة الان .

صاح تشارلي من خلال الباب الذي عاد يدقه من جديد : (( ما الذي حدث يا بيلا؟))

أجبته صارخة وأنا أقفل سحاب حقيبتي : (( أنا التي تركته!))... أبعدت يدا إدوارد يدي عن الحقيبة ثم أقفل سحابها بسهولة . ووضع حزامها على كتفي بحرص .

همس لي وهو يدفعني باتجاه الباب : (( سأكون في سيارتك ... اذهبي الان !)) ... ثم اختفى خارجاً من النافذة .

فتحت الباب واندفعت بخشونة متجاوزة تشارلي ورحت أجرجر حقيبتي الثقيلة على درجات السلم .

صاح بي : (( ما الذي حدث ؟ )) ... كان خلفي تماماً ... (( ظننت آنه يعجبك )) .
أمسك بذراعي في المطبخ ... كانت قبضته ثابتة على ذراعي رغم استمرار حيرته .

أدارني حتى يجعلني أنظر إليه ... رأيت في وجهه أنه لا يعتزم أن يتركني أذهب .ما كنت أستطيع التفكير في منقذ واحد للهرب منه ... لم يكن أمامي إلا أن أقول شيئاً يزعجه حقاً ... أن أقول شيئاً يؤذيه . كرهت نفسي لأنني فكرت في هذا . لكن لم يكن لدي أي وقت ... كان علي أن أحافظ على سلامته أيضاً .

حدقت في أبي ... انهمرت دموع جديدة من عيني بسبب ما كنت موشكة على قوله : (( نعم ... يعجبني ! يعجبني جداً! هذه هي المشكلة ... لم أعد أستطيع أن أفعل هذا! لا أستطيع أن أرتبط بشيء هنا! لا أريد أن أنتهي في هذه البلدة الغبية المملة كما حدث لأمي! لن أكرر الخطيئة التي ارتكبتها ... أكره هذا ... لا أستطيع البقاء هنا دقيقة أخرى!))

سقطت يده مفلتة ذراعي كما لو أنني صعقته بتيار كهربائي . استدرت مبتعدة عن وجهه المصدوم المجروح واتجهت إلى الباب .

همس من خلفي : (( بيلا! لا تستطيعين الذهاب الان ... إنه منتصف الليل )) .
لم ألتفت : (( سأنام في السيارة اذا تعبت )) .
قال يرجوني : (( انتظري أسبوعاً واحداً فقط . بعد أسبوع تعود رينيه إلى بيتها )) ... ما زال تحت وقع الصدمة .
شوشني ما قاله : (( ماذا؟))

تابع تشارلي كلامه متلهفاً ... كاد يغص لشدة ارتياحه عندما رآني أتردد : (( اتصلت عندما كنت خارج المنزل . لا تجري الامور على مايرام في فلوريدا. سوف يعودان إلى أريزونا اذا لم يستطع فيل توقيع عقده قبل نهاية الاسبوع . يقول مساعد المدرب في فريق سايدوندرز إنهم قد يحتاجون إلى لأعب جديد ))

هززت رأسي محاولة إعادة ترتيب أفكاري المشوشة . كل ثانية زائدة تمر تعرض تشارلي لخطر أكبر .

همهمت وأنا أدير مقبض الباب : (( لدي مفتاح بيتها!)) ... كان قريباً جداً مني .. امتدت يده نحوي ... كان وجهه ذاهلاً .لم أعد أستطيع خسارة أي وقت في الجدل معه ... كان علي أن أؤذيه أكثر ... كررت الكلمات نفسها التي قالتها أمي عندما خرجت من هذا الباب نفسه قبل سنين طويله : (( فقط... اتركني أذهب يا تشارلي !)) ... قلتها بأقصى قدر استطعته من الغضب ثم فتحت الباب مكملة الجملة : (( لم ينجح الامر ... هل تفهمني ؟ إنني أكره فوركس ... أكرهها!))

أدت كلماتي القاسية ما أردته منها ... ظل تشارلي متجمداً عند عتبة الباب... كان مصعوقاً ... أما أنا فجريت في الظلام . كنت خائفة حقاً من فناء البيت الخالي . جريت بسرعة شديدة نحو السيارة متخيلة شبحاً قاتم اللون يتبعني . ألقيت حقيبتي في صندوق السيارة وفتحت الباب . كان المفتاح جاهزاً في مكانه .

زعقت : (( سأتصل بك غداً!)) ... تمنيت لو كنت أستطيع أن أشرح الامر كله في هذه اللحظة ... لكنني كنت أعرف أنني لا أستطيع ذلك . أدرت المحرك ... وانطلقت .

عندما اختفى المنزل ... وتشارلي ... في الظلام مد إدوارد يده إلى يدي قائلاً: (( ابتعدي!))
قلت والدموع تنهمر إلى وجنتي : (( أستطيع قيادة السيارة )) .

أمسكت يداه الطويلتان بخصري من غير توقع وأحسست بقدمه تبعد قدمي عن دواسة الوقود . حملني من فوق حضنه مبعداً يدي عن عجلة القيادة ... وفجأة رأيته جالساً مكاني . لم تتحرك السيارة ... ولو قليلاً .

قال لي موضحاً : (( لن تتمكني من العثور على المنزل )) .
لمعت أضواء سيارة خلفنا دون سابق إنذار . التفت لأنظر من النافذة والرعب يغمرني .
قال لي مطمئناً : (( إنها أليس!)) ... أمسك بيدي من جديد .
كان صورة تشارلي واقفاً بباب البيت تملأ ذهني لكنني سألته : (( هل عرفت شيئاً عن ذلك الصياد ؟))

قال إدوارد بصوت مظلم : (( لقد سمع نهاية تمثيليتك مع تشارلي )) .
سألته مذعورة : (( ماذا عن تشارلي؟))
(( لقد لحق الصياد بنا . إنه يجري خلفنا الان )) ... جرى دمي بارداً في عروقي .
(( هل نستطيع أن نسبقه ؟))
قال : ((لا!)) ... لكنه زاد سرعة السيارة في تلك اللحظة فضج المحرك محتجاً ... في تلك اللحظة لم تعد خطتي تبدو لامعة في عيني . كنت ملتفتة أنظر إلى أضواء سيارة أليس عندما توقفت سيارتي فجأة وظهر شبح مظلم خارج النافذة .

لم تدم صرختي أكثر من جزء من الثانية قبل أن يضع إدوارد يده على فمي قائلاً: (( إنه إيميت !))

أزاح يده عن فمي ولفها حول خصري .. قال واعداً : (( لا بأس عليك يا بيلا ... ستكونين بأمان )) .
سرنا عبر البلدة الساكنة متجهين إلى الطريق الشمالي .

قال إدوارد كمن يحدث حديثاً عادياً : (( لم أدرك من قبل أنك مازلت ضجرة من حياة هذه البلدة الصغيرة !)) ... عرفت أنه يحاول إبعاد أفكاري عن الخطر ... (( بدا لي أنك أحببت الحياة هنا ... في الفترة الاخيرة خاصة ... لعلني كنت أخدع نفسي وأقنعها بأنني أجعل الحياة هنا أكثر إثارة للاهتمام في نظرك !)) .

اعترفت : (( لقد كنت فظة حقاً!)) ... تجاهلت محاولته تشتيت أفكاري ورحت أنظر إلى ركبتي ... (( كانت تلك كلمات أمي عندما هجرته . تستطيع القول إنني كنت أضربه تحت الحزام )) .

ابتسم قليلاً ... لكن الابتسامة لم تلامس عينيه : (( لا تخافي ! سيسامحك )) .
حدقت فيه بيأس فرأى الرعب عارياً في عيني .
(( سينتهي الامر على مايرام يا بيلا!))
همست : (( لكنه لن يكون على مايرام اذا لم أكن معك )) .

قال وهو يشد ذراعه من حولي : (( سنكون معاً بعد أيام ... ثم أن الخطة هي خطتك أنت!))
(( كانت أفضل فكرة ... هي خطتي طبعاً!))

أجابني بابتسامة باهتة أختفت في الحال ... سألته بصوت متعثر : (( لماذا حدث هذا؟... لماذا أنا؟))

ألقى نظرة قاتمة على الطريق أمامه : (( أنا المخطئ ... كنت غبياً فعرضتك للخطر على ذلك النحو !)) ... كان الغضب واضحاً في صوته ... كان غضبه موجهاً إلى نفسه .

قلت ملحة : (( لم أقصد هذا . لقد كنت هناك ... ماذا بك هل نسيت ؟ لم يلفت وجودي نظر الاثنين الاخرين . لماذا قرر جيمس هذا أن يقتلني أنا تحديداً ؟ ثمة بشر كثيرون هنا ... فلماذا أنا ؟ ))

تردد قليلاً ... وفكر قبل أن يجيب : (( ألقيت نظرة متمعنة على ذهنه اليوم )) ... بدأ يتحدث بصوت منخفض ... (( لا أعرف إن كنت أستطيع أن أفعل شيئاً لتجنب هذا بعد أن شاهدك ... الذنب ذنبك أنت ... جزئياً !)) ... حمل صوته سخرية مرة ... (( لعله ما كان ليهتم لو لم تكن رائحتك شهية إلى هذا الحد المرعب . لكن دفاعي عنك زاد في سوء الوضع ... إنه غير معتاد على أن يعيقه أحد عن شيء يريده مهما يكن ذلك الشيء تافهاً. إنه يرى نفسه صياداً فقط ... لا شيء غير ذلك . وجوده كله يتمثل في تعقب الاثر ... وهو لا ينشد في حياته إلا متعة التحدي . وفجأة قدمنا له تحدياً جميلاً: مجموعة كبيرة من المقاتلين الاشداء المهتمين جميعاً بحماية شيء واحد شديد الهشاشة ... وهو أنت . لن تصدقي مدى سروره الان . هذه لعبته المفضلة ... وقد جعلناها أكثر اللعبات إثارة في حياته )) ... كان صوت إدوارد يفيض قرفاً .

صمت برهة ثم قال بقنوط شديد : (( لو لم أحل بينه وبينك ... لقتلك في تلك اللحظة )).
قلت مترددة : (( ظننت ... أن رائحتي لا تؤثر في الاخرين ... كما تؤثر فيك أنت)) .

(( صحيح ! لكن هذا لا يعني أنك لست مغرية جداً لأي واحد منهم ... لو كان أثر رائحتك على ذلك الصياد ... متعقب الاثر ... أو على أي منهم ... مغرياً بقدر ماهو بالنسبة لي ... لبدأ القتال هناك فوراً في تلك اللحظة )) .

ارتجفت خائفة . تمتم إدوارد : (( أعتقد أن لا خيار أمامي غير أن أقتله ... لن يحب كارلايل هذا!))

سمعت صوت عجلات السيارة تعبر الجسر لكنني لم أستطع رؤية النهر في الظلام . عرفت أننا نقترب ... كان علي أن أسأله الان : (( كيف يمكن قتل مصاص دماء؟))

نظر إلي بعينين لم أستطع قراءة ما فيهما ... غدا صوته خشناً غليظاً فجأة : (( الطريقة الوحيدة لضمان قتله هي تمزيقه إرباً ثم إحراق أجزائه كلها)) .

(( وهل سيقاتل الاثنان معه ؟))
(( المرأة ... ستقاتل ... لكنني لست واثقاً من سلوك لورنت . ليست العلاقة بينه وبينهما قوية ... إنه معهما بالمصادفة . لقد أحرجه جيمس ...)) .

سألته بصوت جاف : (( لكن جيمس والمرأة ... سيحاولان قتلك؟))
(( بيلا! إياك أن تجرؤي على إهدار الوقت في القلق من أجلي . مهمتك الوحيدة الان هي أن تحافظي على سلامتك ... أرجوك ... أرجوك ... حاولي ألا تتهوري )) .

(( هل مازال يتبعنا؟))
(( نعم! لكنه لن يهاجم المنزل ... ليس الليلة )) .

استدارت السيارة في الدرب غير المرئي ... كانت أليس تسير خلفنا .
مضينا حتى المنزل . كانت أنواره مضاءة لكنها لم تؤثر في ظلمة الغابة من حوله إلا قليلاً . فتح لي إيميت الباب قبل أن تتوقف السيارة تماماً . أخرجني من المقعد وحملني إلى صدره كما يحمل الكرة ثم جرى داخلاً إلى المنزل . صرنا في الصالة البيضاء الكبيرة . كان إدوارد وأليس يحيطان بنا من الجانبين . الجميع هنا ... وقفوا على أقدامهم عندما سمعونا نقترب . كان لورنت واقفاً وسطهم . سمعت زمجرة منخفضة تخرج عميقاً من حنجرة إيميت عندما وضعني بجانب إدوارد .

قال إدوارد بصوت ينذر بالشؤم ملقياً نظرة حادة صوب لورنت : (( إنه في إثرنا!))
بدا الانزعاج على وجه لورنت : (( هذا ما كنت أخشاه )) .

مضت أليس بخطواتها الراقصة إلى جانب جاسبر وهمست في أذنه .
رأيت شفتيها ترتجفان بكلام سريع صامت . صعدا السلم معاً بسرعة البرق . نظرت روزالي إليهما ثم تحركت سريعاً فوقفت بجانب إيميت . كانت عيناها الجميلتان متوترتين ... وعندما التفتتا نحوي دون رغبة منها ... رأيت الغضب فيهما .

سأل كارلايل لورنت بنبرة شديدة البرودة : (( ماذا سيفعل؟))
أجابه : (( أنا آسف! لقد عرفت ... منذ أن دافع ابنك عنها هناك ... أن هذا سيغضبه )) .
(( هل تستطيع إيقافه؟))
هز لورنت رأسه : (( لا شيء يوقف جيمس عندما يبدأ!))
قال إيميت واعداً ... متوعداً : (( سنوقفه نحن !)) ... لم يترك صوته مجالاً للشك في معنى كلامه .

(( لن تستطيعوا التغلب عليه ... لم أر شيئاً مثله طيلة حياتي ... منذ 300 سنة . إنه مميت إلى أقصى حد . هذا ما جعلني أنضم إلى عصبته )) .

عصبته ... طبعاً ! اذ لم يكن موقع القيادة الذي اتخذه لورنت هناك في الغابة إلا مظهراً.
كان لورنت يهز رأسه . نظر إلي محتاراً ثم عادت عيناه إلى كارلايل : (( هل أنت واثق من أن الامر يستحق تلك المواجهة؟))

كلأ زئير إدوارد الغاضب الغرفة كلها فتراجع لورنت إلى الخلف متأهباً.
نظر إليه كارلايل بجدية صارمة : (( أخشى أن عليك أن تختار!))

فهم لورنت . تأمل في الامر لحظة . وجالت عيناه على الجميع الوجوه ثم قلب نظره في الغرفة الكبيرة المتألقة : (( لقد أثارت اهتمامي حياتكم هنا ... لكنني لن أتدخل في الامر . لا أضمر عداوة لأحد منكم، لكنني لن أقاتل جيمس . أعتقد أنني سأتوجه شمالاً ... إلى تلك الاسرة في دينالي )) ... تردد قليلاً ثم تابع : (( لا تهونوا من شأن جيمس . إنه ذكي جداً ... ولديه حواس لا نظير لها . إنه مرتاح من كل ناحية في عالم البشر ... مثلما يبدو عليكم أنتم ... ولن يهاجمكم مواجهة ... أنا آسف لما حدث هنا ... آسف فعلاً)) .طأطأ رأسه ، لكني رأيته يلقي نظرة محتارة جديدة باتجاهي .

أجابه كارلايل بصوت رسمي النبرات : (( اذهب بسلام!))
ألقى لورنت نظرة متمهلة من حوله ثم خرج مسرعاً من الباب . لم يدم الصمت إلا أقل من ثانية بعد خروجه . نظر كرلايل إلىإدوارد : (( كم هو قريب الان ؟))

بدأت إيزمي التحرك قبل سماع الاجابة . لمست يدها مفتاحاً غير ظاهر على الجدار فبدأت ألواح معدنية ضخمة تنسدل فوق الجدار الزجاجي ... فغرت فمي مدهوشة .

(( بعد النهر بنحو أربعة كيلومترات . إنه ينعطف حتى يلتقي بالمرأة)) .
(( وما خطتنا؟))
(( سوف نجعله يبتعد قليلاً . ثم يأخذ جاسبر وألي سبيلا صوب الجنوب ))
(( ثم ماذا ؟))

قال إدوارد بصوت قاطع : (( بمجرد ابتعاد بيلا ... سوف نصطاده )) .
وافقه كارلايل ... كان وجهه كالحاً : (( أظن أن ليس لدينا خيار آخر )).

استدار إدوارد إلى روزالي يأمرها : (( خذيها إلى الاعلى وتبادلا ملابسكما )) ... نظرت إليه غير مصدقة .

همست بصوت كالفحيح : (( لماذا أفعل ذلك ؟ وما هي بالنسبة لي ؟ إلا أن تكون تهديداً قاتلاً ... خطراً اخترت أنت أن يحيق بنا جميعنا ))
انكمشت على نفسي بسبب السم في صوتها .

تمتم إيميت واضعاً يده على كتفها : (( روز...)) لكنها ابعدت يده . أما أنا فكنت أراقب إدوارد بانتباه ... كنت أعرف مزاجه فقلقت ورحت أنتظر رد فعله . لكنه فاجأني . أشاح بوجهه عن روزالي كما لو أنها لم تتكلم .... كما لو أنها لم تكن موجودة .





(( إيزمي؟)) ... سألها بصوت هادئ فتمتمت : (( طبعاً!))
صارت إيزمي بجانبي في لحظة واحدة وحملتني بين ذراعيها بكل سهولة ثم انطلقت تصعد السلم قبل أن تسمح لي المفاجأة بالتنفس .

سألتها مبهورة الانفاس عندما وضعتني أرضاً في غرفة مظلمة بجانب صالة الطابق الثاني : (( ما الذي نفعله ؟))

(( نحاول خلط الرائحة . لن يفيدنا هذا لوقت طويل لكنه قد يساعدنا على إخراجك من هنا )) ... سمعت صوت ملابسها تسقط إلى الارض .

قلت مترددة : (( لا أعتقد أن قياسي ...)) لكني شعرت فجأة بيديها تجرداني من قميصي ... أسرعت فخلعت بنطلوني . ناولتني شيئاً عرفت من ملمسه أنه قميص ... لبسته بجهد . وعندما انتهيت ناولتني بنطلونها الفضفاض فارتديته لكنه كان طويلاً أكثر مما يجب . طوت إيزمي فردتي البنطلون عدة مرات حتى تمكنت من الوقوف . رأيت أنها تمكنت من ارتداء ملابسي بطريقة من الطرق . شدتني نحو السلم من جديد . كانت أليس واقفة هناك تمحمل حقيبة جلدية صغيرة في يدها . أمسكتا بذراعي من الجانبين ... وتقريباً .... حملتاني طائرتين عبر السلم نزولاً .

بدأ أن كل شيء قد صار جاهزاً في الطابق السفلي أثناء غيابنا الوجيز . كان إدوارد وإيميت جاهزين للمغادرة . وكان إيميت يحمل حقيبة ظهرية تبدو ثقيلة الوزن . رأيت كارلايل يناول إيزمي شيئاً صغير الحجم . ثم استدار وناول أليس شيئاً مماثلاً ... كان ذلك هاتفاً محمولاً صغيراً فضي اللون .

قال لي وهو يمر بجانبي : (( سوف تقوم إيزمي وروزالي بأخذ سيارتك يا بيلا )) .
أومأت برأسي ناظرة بقلق نحو روزالي . أم هي فكانت تنظر صوب كرلايل بتعبير ممتعض .

قال كارلايل : (( أليس ... جاسبر ... ذا سيارة المرسيدس . سوف تكونان بحاجة إلى النوافذ المظللة في الجنوب )) ... أومأ الاثنان برأسيهما فأضاف : (( نحن سنأخذ سيارة الجيب )) .

فوجئت عندما فهمت أن كارلايل يعتزم الذهاب مع إدوارد . أدركت فجأة ، مع وخخزة من الخوف ، أنهم شكلوا مجموعة الصيد .

سأل كارلايل : (( أليس ... هل سيبتلعان الطعم ؟))
نظر الجميع إليها عندما أغلقت عينيها وسكن جسمها إلى درجة لا تصدق . فتحت عينيها أخيراً وقالت : (( سوف يقتفي أثركم . ستلاحق المرأة سيارة بيلا . وعلينا أن نتمكن من المغادرة بعد ذلك فوراً )) ... كان صوتها جازماً .

(( فلنذهب !)) ... انطلق كارلايل نحو المطبخ . لكن إدوارد صار بجانبي في لحظة واحدة ... أمسك بي بين كفيه وشدني إليه . بدا كما لو أنه لم يعد يدرك وجود أسرته من حولنا عندما شدني مقرباً وجهي من وجهه جاعلاً قدمي ترتفعان عن الارض ... أحسست لثانية قصيرة جداً ملمس شفتيه الباردتين على شفتي ... ثم انتهى الامر . وضعني أرضاً لكنه ظل ممسكاً بوجهي ... احترقت عيناه في عيني .

وعندما استدار رأيت عينيه تصبحان فارغتين من أي تعبير ... ميتين إلى درجة عجيبة .
ثم ذهبوا .

بقينا واقفين هناك . أشاح الباقون بوجوههم عني عندما راحت دموعي تنهمر على وجهي من غير صوت . طالت لحظة الصمت ... ثم اهتز هاتف إيزمي في يدها فوضعته على إذنها .

قالت : (( الان!)) ... فتحت روزالي الباب الامامي من غير أن تلقي نظرة أخرى باتجاهي لكن إيزمي مست وجنتي مساً خفيفاً عندما مرت بجانبي .

(( مع السلامة )) ... هكذا همست خلفها عندما خرجا من الباب . سمعت صوت محرك سيارتي ثم راح ذلك الصوت يبتعد ويخبو .

ظل جاسبر وأليس منتظرين . رفعت أليس الهاتف على أذنها قبل أن يرن ... (( يقول إدوارد إن المرأة اقتفت أثر إيزمي . سأحضر السيارة )) ... ثم اختفت في الظلال كما فعل إدوارد قبل قليل .

تبادلنا النظرات أنا وجاسبر .كان يقف على مسافة مني ... كان حذراً!
قال بسرعة : (( أنت مخطئة ... مخطئة!))
قلت : (( ماذا ؟))
(( أستطيع أن أحس ما تشعرين به الان ... لكنك تستحقين هذا العناء )) .

غمغمت : (( لست أستحقه!... اذا حدث أي شيء لهم فسوف يكون من غير طائل ))
كرر عبارته مبتسماً لي ابتسامة لطيفة : (( أنت مخطئة!))
لم أسمع أي صوت ، لكن أليس دخلت من الباب الامامي وتقدمت نحوي مادة ذراعيها وسألتني : (( ممكن؟))
ابتسمت وقلت : (( أنت أول من يطلب إذني !))

حملتني بذراعيها الرشيقتين بسهولة ... مثل إيميت ... طوقتني بذراعيها ... ثم طرنا خارجين من الباب وتركنا أنوار البيت مشعة من خلفنا .



..



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الجمعة يوليو 23, 2010 3:12 pm

الجزء العشرين


نفاذ الصبر



شعرت بحيرة وتشوش عندما استيقظت . مازالت أفكاري ضبابية ... ما زالت مضطربة بفعل الاحلام والكوابيس . لم أدرك أين أنا إلا بعد وقت . كانت الغرفة ذات مظهر لطيف محايد ... لا يمكن أن تكون إلا غرفة في فندق ... كانت المصابيح بجانب السرير مثبتة إلى الطاولات ... وكانت من نوع رخيص . ومثلها كانت الستائر الطويلة المصنوعة من القماش نفسه الذي صنع منه مفرش السرير ... وكذلك أمر نسخ اللوحات المائية المعلقة على الجدران .

حاولت أن أتذكر كيف وصلت إلى هنا ، لكنني لم أتذكر شيئاً أول الامر . تذكرت السيارة السوداء التي كان زجاج نوافذها داكناً جداً. وتذكرتصوت محركها شبه الصامت رغم أننا كنا منطلقين عبر الطرق السريعة بأكثر من ضعفي السرعة القانونية .

وتذكرت أليس جالسة بجانبي على المقعد الخلفي الجلدي القاتم . لا أعرف كيف انتهى رأسي ... خلال تلك الليلة الطويلة ... إلى الاستناد مرتاحاً إلى عنقها الغرانيتية! لم يظهر عليها أي انزعاج من قربي الشديد ... كان جلدها الصلب مريحاً بالنسبة لي ... لا أدري كيف! وكان صدر قميصها القطني الرقيق بارداً رطباً بسبب دموعي التي ظلت تنهمر من عيني المحمرتين حتى جفتا .

جافاني النوم ... ظلت عيناي المتعبتان مفتوحتين حتى بعد أن انجلى الليل أخيراً وبزغ الفجر فوق قمة جبل غير مرتفع في مكان ما في كاليفورنيا . وخز عيني الضوء الرمادي الذي راح يتداح في سماء من غير غيوم . لكنني لم أستطيع إغماضهما . فعندما كنت أغمض عيني كانت الصور التي تنبعث خلف جفني غير محتملة ... تعبير وجه كارلايل القانط ... وزمجرة إدوارد الوحشية وأسنانه العارية ... ونظر روزالي الناطقة بالكره ... ونظرات الصياد المتمعنة ... والنظرة الميتة في عيني إدوارد يعد أن قبلني آر مرة ... لم أكن لأستطيع احتمال هذه الصور كلها . لذلك رحت أقاوم تعبي ... كانت الشمس ترتفع في السماء .

كنت مستيقظة عندما عبرنا ممراً جبلياً قليل العمق . صارت الشمس وراءنا الان ... كانت أشعتها تنعكس عن سقوف وادي الشمس القرميدية . لم يعد لدي من قوة الشعور ما يكفي للتعبير عن دهشتي من اجتيازنا رحلة ثلاثة أيام في يوم واحد . حدقت بنظرة فارغة في تلك الرقعة الواسعة المسطحة التي امتدت أمامي ، فينيكس ... أشجار النخيل ، والخطوط الشبحية لتقاطعات الطرق السريعة ، وملاعب الغولف الخضراء ، وبرك السباحة التركوازية ... اندمجت كلها وتدالت في ذلك الضباب الدخاني الخفيف فعانقت المرتفعات الصخرية التي ما كانت كبيرة حقاً إلى حد يجعلها تستحق أن تدعى جبالاً .

كانت ظلال أشجار النخيل مستلقية عبر الطريق ... واضحة أكثر مما كنت أتذكرها، وأكثر شحوباً مما يجب أن تكون . ما كان شيء ليستطيع الاختباء في هذه الظلال . بدا لي الطريق الواسع المفتوح آمناً جداً . لكنني لم أشعر بأي راحة ... لم أشعر بما يشعر به العائد إلى موطنه .

(( من أين طريق المطار يا بيلا ؟)) ... سألني جاسبر فأجفلت رغم أن صوته جاءني ناعماً هادئاً . باستثناء صوت محرك السيارة ، كان ذلك أول صوت أسمعه في تلك الليلة الطويلة .

أجبته على نحو آلي : (( ابق على الطريق رقم 10 ... فهو يمر بجانب المطار تماماً)) .
كان ذهني يعمل ببطء عبر ضباب قلة النوم ... سألت أليس : (( هل سنسافر بالطائرة ؟))
(( لا! لكن من الافضل أن نكون قريبين من المطار من باب الاحتياط !))

أتذكر أننا سلكنا الطريق الذي يلتف حول المطار المطار الدولي ... لكننا لم ننه ذلك الطريق . أظن أنني غفوت هناك .

رغم ذلك ... أستطيع الان ، بعد أن تذكرت هذه الاشياء ، أن أستعيد صورة غامضة لمغادرة السيارة ... كانت الشمس تغيب خلف الافق ... وكانت ذراعي على كتف أليس ... أما ذراعها الصلبة فكانت تحيط بخصري وتجرني معها في مشيتي المتعثرة عبر تلك الظلال الحارة الجافة .

لكنني لم أتذكر هذه الغرفة ... نظرإلى الساعة الرقمية على المنضدة . قالت الساعة إن الوقت بلغ الثالثة ... لكنها لم تقل إن كانت الثالثة صباحاً أم الثالثة بعد الظهر . لم تسمح الستائر الثقيلة بتسرب أي ضوء من الخارج . لكن الغرفة كانت تشع بأنوار المصابيح .

أنهضت جسمي المتيبس ومضيت مترنحة صوب النافذة وفتحت الستائر . كان الظلام مخيماً خارج النافذة ... إنها الثالثة صباحاً . كانت غرفتي تطل على جزء مقفر من الطريق وعلى الساحة التابعة للمطار المخصصة للسيارات التي تقف وقتاً طويلاً . أراحني قليلاً أن أستطيع تحديد الزمان والمكان .

نظرت إلى نفسي . مازلت أرتدي ملابس إيزمي ... لم تكن تناسبني إطلاقاً . جالت عيناي في الغرفة فسررت عندما وجدت حقيبتي المنتفخة فوق منضدة منخفضة .

كنت على وشك إخراج ملابس جديدة منها عندما جعلتني نقرة خفيفة على الباب أقفز من مكاني . جاءني صوت أليس : (( هل أستطيع الدخول ؟))
تنفست عميقاً ثم أجبت : (( طبعاً!))

دخلت أليس ونظرت إلي مستغربة ثم قالت : (( شكلك يوحي أنك مازلت بحاجة إلى مزيد من النوم )) .
هززت رأسي . ذهبت أليس صامتة إلى النافذة فأغلقت الستائر بإحكام قبل أن تعود إلي قائلة : (( علينا أن نبقى في الداخل ))
خرج صوتي جافاً مقرقعاً : (( لا بأس !))
سألتني : (( هل أنت ظمئة؟))
رفعت كتفي : (( أنا بخير! ماذا عنكما؟))

ابتسمت : (( نستطيع التعامل مع الامر ... طلبت بعض الطعام من أجلك . إنه في الغرفة الامامية . ذكرني إدوارد بأنك تحتاجين إلى وجبات أكثر بكثير مما نحتاج نحن !))
انتبهت حواسي فجأة : (( هل اتصل؟))
(( لا !)) ... نظرت إلى وجهي يعود إلى هموده ... (( كان ذلك قبل أن يسافر )) .

أمسكت يدي بلطف وقادتني عبر الباب إلى غرفة المعيشة . سمعت طنين أصوات صادرة عن التلفزيون . كان جاسبر جالساً دون حراك إلى المكتب الذي في الزاوية تتابع عيناه أخبار التلفزيون دون أي اهتمام .

جلست على الارض قرب المنضدة الصغيرة التي كانت صينية الطعام تنتظر فوقها . بدأت أتناول طعامي دون أن ألاحظ نوعه .

جلست أليس على ذراع الاريكة وراحت تحدق في التلفزيون بنظرة فارغة كما يفعل جاسبر .
رحت أكل ببطء وأراقبها ... كانت تستدير من حين لاخر فتلقي نظرة سريعة صوب جاسبر . بدأت أنزعج من هدوئهما المفرط . لم يحولا أعينهما عن الشاشة رغم أنها كانت تعرض إعلانات الان . دفعت الصينية بعيداً عني ... شعرت باضطراب مفاجئ في معدتي . نظرت أليس إلي فسألتها : (( ما الامر يا أليس ؟))
(( لاشيء!)) ... كانت عيناها متسعتين صادقتين ... لم أصدقهما .
(( وما الذي نفعله الان ؟))
(( ننتظر اتصالاً من كارلايل!))
(( وهل حان وقت اتصاله؟)) ... انتقلت عينا أليس من عيني إلى الهاتف الموضوع فوق حقيبتها الجلدية ... ثم عادتا إلي من جديد .
(( ما معنى هذا؟)) ... ارتجف صوتي فحاولت جاهدة أن أسيطر عليه ... (( ما معنى عدم اتصاله حتى الان؟))

(( لا يعني هذا إلا أن لا شيء لديهم حتى يخبرونا به!)) ... لكن صوتها كان مستقراً متوازناً أكثر مما يجب ... صار تنفس الهواء أكثر صعوبة ... صار جاسبر فجأة بجانب أليس . صار أقرب إلي مما هو معتاد . قال لي بصوت مهدئ إلى حد مريب : (( بيلا! لا تقلقي أبداً . أنت آمنة تماماً هنا!))
(( أعرف هذا!))
فسألني محتاراً: (( إذن ، لماذا أنت خائفة؟)) ... لعله شعر بما أحسه ... لكنه لم يكن يستطيع قراءة أسبابه ... (( سمعت ما قاله لورنت )) ... خرج صوتي هامساً لكنني كنت موقنة أنهما يستطيعان سماعي ... (( قال إن جيمس خطير . ماذا لو جرت الامور على نحو سيئ ... ماذا لو تفرقوا؟ اذا حدث شيء لاحد منهم ... كارلايل، إيميت ... إدوارد ...)) غصصت بكلماتي ... (( اذا سببت تلك المرأة المتوحشة الاذى لايزمي ... )) ارتفع صوتي قليلاً ... بدأت تظهر فيه نبرة هستيرية...(( فكيف أستطيع أن أعيش وأسامح نفسي مع أن الذنب ذنبي؟ لا يجوز أن يخاطر أحد منكم بنفسه من أجلي ....))

قاطعني : (( بيلا!بيلا! توقفي)) ... كانت الكلمات تخرج من فمه بسرعة شديدة تجعلها تكاد تكون غير مفهومة ... (( أنت قلقة من أمور يجب ألا تقلقك . صدقيني ... لا أحد منا معرض للخطر . أنت واقعة تحت توتر شديد فلا تجعليه يزداد بسبب هذه المخاوف التي لا مبرر لها . أصغ إلي!)) ... أمرني لانني أشحت بوجهي ... (( أسرتنا قوية . خوفنا الوحيد هو أن نفقدك!))
(( ولماذا يكون عليكم أن...؟))

قاطعتني أليس هذه المرة ... لمست وجنتي بأصبعها الباردة : (( إن إدوارد وحيد منذ قرن كامل تقريباً. وقد وجدك الان .أنت لا تستطيعين رؤية التغيرات التي نراها نحن ... نحن من عشنا معه كل هذه المدة . هل تعتقدين أن من السهل على أحد منا أن ينظر في عينيه ... لو بعد مئة سنة ... اذا فقدك ؟))

تراجع إحساسي بالذنب بطيئاً عندما حدقت في عينيها القاتمتين . لكنني كنت أعرف ، حتى بعد أن عاد هدوئي ، أنني لا أستطيع البوح بمشاعري لجاسبر الجالس هناك .

كان ذلك اليوم طويلاً جداً .
بقينا في الغرفة . اتصلت أليس لتطلب من الفندق تأجيل تنظيف الجناح . ظلت النوافذ مغلقة ، وظل التلفزيون مفتوحاً رغم أن أحداً لم يكن يتابعه . كان الطعام يأتي إلي في مواعيده المنتظمة ... وبدا أن الهاتف الفضي المستقر فوق حقيبة أليس يكبر حجماً مع مرور الساعات .

كان جليسي يحسنان التعامل مع حالة الترقب والانتظار أكثر مني . كان هدوؤهما يزداد مع ازدياد حركتي وتنقلي في الغرفة ... كانا مثل تمثالين تتبعني أعينهما على نحو خفي كلما تحركت . رحت أشغل نفسي بمحاولة تذكر شكل الغرفة غيباً ... قماش الارائك المخطط بالبني والرمادي والذهبي الباهت ، ثم البني من جديد . وكنت أنظر أحياناً إلى اللوحات التجريدية فأجد صوراً عشوائية في خطوطها الغريبة ... تماماً مثلما كنت أجد صوراً في الغيوم عندما كنت طفلة صغيرة . تابعت عيناي خطوط يد زرقاء ، يد امرأة تمشط شعرها ... وتابعت شكل قطة تمط جسمها . لكنني انتزعت أنظاري من تلك اللوحة عندما تحولت دائرة حمراء شاحبة فيها إلى عين تحدق في عيني .

بعد الظهر ذهبت إلى السرير ... لا لشيء ... بل لافعل شيئاً. كنت آمل أن أستطيع ... في الظلمة ... وحدي ... أن أفصح قليلاً عن مخاوفي التي تحوم عند أطراف عقلي غير قادرة على الخروج تحت رقابة جاسبر اليقظة .

لكن أليس تبعتني على نحو تلقائي كما لو أنها تعبت ، بمحض الصدفة ، من الجلوس في الغرفة الامامية . بدأت أتساءل عن التعليمات التي زودهما بها إدوارد . أستقليت على الفراش فجلست بجانبي متربعة ، تجاهلتها في البداية وشعرت فجأة أنني متعبة إلى حد جعلني قادرة على النوم . لكن الرعب الذي امتنع عن الظهور في حضور جاسبر راح الان بعد دقائق قليلة ، يسمح لنفسه بالظهور تدريجياً . تخليت عن فكرة النوم سريعاً ... كنت متجمعة على نفسي على شكل كرة صغيرة وكنت آلف ذراعي حول ساقي المطويتين .

قلت : (( أليس!))
(( نعم؟))
حافظت على هدوء صوتي الشديد : (( ماذا يفعلون الان ، برايك؟))
(( أراد كارلايل أن يقود ذلك الصياد نحو الشمال إلى أبعد مسافة ممكنة ثم ينتظره حتى يقترب ثم يحضر له كميناً . ويفترض أن تذهب إيزمي وروزالي باتجاه الغرب وأن تجعلا المرأة تلحق بهما إلى أبعد مسافة ممكنة . أما اذا عادت أدراجها فعليهما العودة إلى فوركس لحراسة والدك . لذلك أعتقد أن عدم اتصالهم يعني أن الامور بخير . فهو يعني أن الصياد قريب منهم إلى د يجعلهم يتجنبون الاتصال معنا حتى لا يسمعهم )) .

(( ماذا عن إيزمي؟))
(( أظن أنها عادت إلى فوركس . وهي لن تتصل أيضاً اذا وجد أي احتمال لان تسمعها تلك المرأة ، أتوقع أن يكونوا حذرين جداً!))

(( هل تظنين أنهم بخير ... حقاً؟))
(( بيلا! كم مرة يجب أن أقول لك إن الخطر لا يحيق بأحد منا؟))
(( رغم ذلك ... اذا حدث شيء ... هل تقولين لي الحقيقة ؟))
(( نعم!سأقول لك الحقيقة دائماً))... سمعت الصدق في صوتها ... فكرت لظة قصيرة ثم قررت أنها تعني ما تقول !

((إذن، قولي لي ... كيف صرت مصاصة دماء؟)) ... فاجأها سؤالي تماماً . ظلت هادئة لحظة ... استدرت لانظر إليها فرأيت وجهها متردداً ... قالت : (( إدوارد لا يريد أن أخبرك ذلك)) ... قالت هذه الجملة بصوت جازم، لكنني شعرت أنها غير موافقة على رأي إدوارد .

(( هذا ليس عدلاً!أظن أن من حقي أن أعرف!))
(( أعرف هذا)).
نظرت إليها ... منتظرة ... تنهدت ثم قالت : (( سيغضب كثيراً)).
(( هذا ليس من شأنه . الامر بيني وبينك .أليس ... أرجوك... كصديقة!)) ... صرنا صديقتين الان ... لا أدري كيف؟لابد أنها تعرف أننا سنظل صديقتين دائماً.
نظرت إلي بعينيها الرائعتين ... كانت تختار ...

قالت أخيراً: (( سأخبرك بآلية حدوث ذلك ... لست أتذكر ماحدث حقاً ... ولم أفعلها بنفسي ... ولم أر أحداً يفعلها . لذلك تذكرني أنني أستطيع أن أتحدث نظرياً فقط!))
انتظرت ...

(( لدينا أسلحة في تركيبتنا الجسدية أكثر بكثير ... بكثير ... مما يلزمنا فعلاً حتى نكون مفترسين . القوة والسرعة والحواس المرهفة ... هذا فضلاً عن بعض الحواس الاضافية كالتي عند إدوارد أو جاسبر أو عندي أنا . ثم أننا ، مثل الازهار التي تفترس الحشرات ، نتمتع بالقدرة على اجتذاب ضحايانا جسدياً)).

كنت هادئة جداً. وتذكرت كيف أوضح لي إدوارد هذه الفكرة تماماً عندما كنا في المرج .
ابتسمت ابتسامة عريضة ... مشؤومة : (( لدينا سلاح سحري خارق آخر ... أننا سامون)) ... قالت هذا وأسنانها تلمع ...(( هذا السم لا يقتل ...إنه يشل فقط ... وهو يعمل ببطء منتقلاً مع الدم. فعندما يعض أحدنا الفريسة يسري في جسمها ألم حارق شديد يمنعها من الهرب . هذه القدرة فائضة عن الحاجة معظم الاوقات ... لاتهرب الضحية اذا كنا قريبين منها . لكن، ثمة استثناءات دائما:كرلايل مثلاً!))

تمتمت : (( إذن... اذا أتيح الوقت الكافي حتى ينتشر السم في الجسم...))
(( يستغرق التحول عدة أيام حتى يكتمل . وهذا معتمد على كمية السم في الدم ومدى قربه من القلب . يواصل السم الانتشار طالما واصل القلب نبضه ... وهو يغير الجسم أثناء انتشاره . ينتهي التحول أخيراً... ويتوقف القلب . لكن الضحية لشدة ألمها تظل تتمنى الموت طيلة ذلك الوقت ... في كل دقيقة منه )).




ارتعد جسمي .
(( ترين الان أنها ليست بالقصة السارة )) .
(( قال إدوارد إن الامر صعب جداً... لكنني لم أفهمه تماماً))
(( نحن نشبه أسماك القرش على نحو ما . ما أن نذوق الدم، أو نشمه، حتى يصبح امتناعنا عنه صعباً جداً... بل مستحيلاً في بعض الاحيان . ترين إذن أن عض الفريسة ...تذوق طعم الدم... يطلق بداية نوبة من السعار . الامر صعب من الناحيتين ... شهوة الدم من جهة أولى ،و الالم المخيف من جهة ثانية!))

(( لماذا تظنين أنك لا تذكرين شيئاً؟))
(( لا أعرف!... كلهم يقولون إن ألم التحول هو الذكرى الاشد حدة من حياتهم البشرية . أما أنا فلا أتذكر شيئاً عن حياتي البشرية )) ... كان صوتها كئيباً ملتاعاً .

استلقينا صامتتين ... كل منا غارقة في أفكارها .
مرت الثواني فكدت أنسى وجودها بجانبي ... كنت غارقة في أفكاري تماماً.

ثم... قفزت أليس من السرير دون سابق إنذار وحطت برفق على الارض . قفز قلبي من مكانه عندما نظرت إليها .
(( ثمة شيء تغير!)) ... كان صوتها يوحي بحدوث أمر طارئ ... لم تكن تتحدث معي .
وصلت إلى الباب لحظة وصول جاسبر إليه . من الواضح أنه سمع مادار بيننا من حديث وسمع صرختها المفاجئة . وضع يديه على كتفيها وقادها لتعود إلى السرير ... جلست على حافته .

سألها ناظراً في عينيها : (( ماذا ترين؟)) ... كانت عيناها مركزتين على شيء بعيدا جداً . كنت جالسة بجانبها تماماً فانحنيت نحوها تى أسمع صوتها المنخفض المتدفق سريعاً.

((أرى غرفة... إنها غرفة طويلة فيها مرايا كثيرة . أرضها شبية . إنه في الغرفة ... إنه ينتظر . ثمة خطوط ذهبية على المرايا)) .
(( أين هذه الغرفة؟))
((لا أعرف!... مازال ثمة شيء ناقص ... قرار آخر لم يتذ بعد!))
(( كم بقي له من الوقت؟))
((قريباً جداً! سوف يكون في غرفة المرايا ، اليوم ... ، وربما غداً. الامر كله معتمد على ... إنه ينتظر شيئاً!إنه في الظلام الان )) .

كان صوت جاسبر هادئاً... منهجياً... عندما راح يستجوبها بطريقة عملية : (( ما الذي يفعله؟))
((إنه يشاهد التلفزيون...لا،إنه يشاهد شيئاً على الفيديو في الظلمة في مكان آخر!))
(( هل تستطيعين رؤية مكانه؟))
((لا... الظلام شديد))
(( غرفة المرايا... ماذا فيها أيضاً؟))

(( مرايا فقط... والذهب عليها .إنها تحيط بالغرفة كلها . ثمة طاولة سوداء عليها جهاز ستيريو كبير وجهاز تلفزيون . إنه يشاهد الفيديو هناك، لكن بطريقة مختلفة عن مشاهدته الفيديو في الغرفة المظلمة . هذه هي الغرفة التي ينتظر فيها )) ... انحرفت أنظارها ثم استقرت على وجه جاسبر .

(( لا شيء آخر؟))
هزت رأسها ... راحا يتبادلان النظرات ... صامتين ... دون حركة .
سألتهما : (( مامعنى هذا؟))

لم يجبني أي منهما . وبعد لحظة نظر جاسبر إلي : (( هذا يعني أن خطة الصياد تغيرت . لقد اتخذ قراراً سيجعله يذهب إلى غرفة المرايا وإلى الغرفة المظلمة )) .
(( لكننا لا نعرف مكان هاتين الغرفتين!))
((لا نعرف!))

قالت أليس بصوت مسطح : (( لكننا نعرف الان أنه لن يكون في الجبال الشمالية .... لن يكون حيث يريدون اصطياده . سوف يضللهم)) .

سألت : (( هل نتصل بهم؟)) ... تبادلا نظرة جدية ... غير واثقة .
فجأة ... رن الهاتف .

وصلت أليس إليه قبل أن أفلح في رفع رأسي لانظر باتجاهه... ضغطت الزر ووضعت الهاتف على أذنها . لكنها لم تبدأ الكلام .
همست : (( كارلايل))... شعرت بالدهشة والارتياح لكن شيئاً لم يظهر على وجهها .

قالت وهي تلقي نظرة باتجاهي : (( نعم!)) ... ثم راحت تصغي فترة طويلة .
(( لقد رأيته منذ لحظة!)) ... ثم أعادت وصف الرؤيا من جديد... (( إن ما جعله يركب تلك الطائرة ... هو ما يقوده إلى هذه الغرف)) ... توقفت قليلاً ثم قالت : (( نعم)) ... ثم وجهت كلامها إلي : (( بيلا!)).

مدت الهاتف باتجاهي فذهبت إليه جرياً.
همست : (( ألو!))
قال إدوارد : (( بيلا))
(( أوه! يا إدوارد ... قلقت كثير!))

قال بصوت منزعج : (( بيلا! قلت لك ألا تقلقي إلا على نفسك)) ... كان سماع صوته مريحاً إلى حد لا يصدق . أحسسست أن غمامة اليأس التب خيمت فوق رأسي بدأت تنزاح عندما سمعت صوته .
(( أين أنت؟))
(( نحن قرب فانكوفر ... آسف يا بيلا ...لقد فقدنا أثره. يبدو أنه شك فينا ... وهو حذر جداً ، يحافظ على مسافة كافية لان أعجز عن سماع أفكاره . لكنه ذهب الان ... يبدو أنه سافر بطائرة . نعتقد أنه متوجه إلى فوركس حتى يبدأ البحث فيها من جديد)) .

كنت أسمع صوت أليس تهمس لجاسبر خلفي لكن كلماتها السريعة اندغمت كلها فصارت مثل طنين متواصل .
قلت : (( أعرف هذا! رأت أليس أنه ذهب)) .
(( ليس عليكأن تقلقي رغم ذلك . لن يجد شيئاً يقوده إليك. ليس عليك إلا البقاء حيث أنت والانتظار ريثما نعثر عليه من جديد)).
(( سأكون بخير!... هل إيزمي مع تشارلي الان؟))
(( نعم... ظلت تلك المرأة في البلدة . لقد ذهبت إلى المنزل لكن تشارلي كان في عمله . لم تقترب منه أبداً ... فلا تخافي . إنه بأمان تحت رقابة إيزمي وروزالي)) .
(( ماذا تفعل المرأة الان؟))

((أرجح أنها تحاول التقاط الاثر . ظلت تتجول في البلدة طيلة الليل . تعقبتها روزالي في طريقها إلى المطار وفي تحركها عبر شوارع البلدة كلها ... وفي المدرسة ... إنها تحاول يا بيلا ... لكنها لن تجد شيئاً)) .
(( هل أنت متأكد من سلامة تشارلي؟))
(( نعم ... إيزمي لاتتركه يغيب عن نظرها. وسوف نكون هناك قريباً. واذا اقترب الصياد من فوركس فسوف نكون في انتظاره ))

همست : (( اشتقت إليك))
(( أعرف يا بيلا... أعرف ... صدقيني . كأنك أخذت نصفي معك)).
قلت متحدية : (( تعال إذن ... واسترجعه !))
(( قريباً ... سآتي بأسرع ما يمكن ، لكن علي أن أضمن سلامتك أولاً)) ... قال هذه الكلمات بصوت قاسٍ.

قلت أذكره : (( أحبك!))
(( أحبك أيضاً... هل تصدقين هذا بعد كل ماجعلتك تمرين به؟))
(( نعم... أصدق)).
(( سوف آتي إليك قريباً)).
(( سأكون بانتظارك)).

ما إن صمت الهاتف حتى عادت غمامة القنوط تزحف من جديد ... استدرت لأعطي أليس الهاتف فوجدتها منحنية مع جاسبر إلى الطاولة . كانت ترسم شيئاً على قطعة من الورق . استندت إلى ظهر الاريكة وملت نحوهما لأحاول النظر من فوق كتفها .

كانت ترسم غرفة : طويلة، مستطيلة ، فيها قسم أكثر ضيقاً في آخرها . كانت ألواح خشبية طولانية تغطي أرضها . وعلى الجدران رأيت خطوطاً تحدد أماكن الفواصل بين المرايا . ثم ... على محيط الغرفة كلها ... بارتفاع الخصر ... امتد شريط متصل . إنه الشريط الذي قالت أليس إنه ذهبي .

تعرف فجأة على هذا الشكل المألوف فقلت : (( إنه أستوديو باليه!))
(( هل تعرفين هذه الغرفة؟))... جاءني صوت جاسبر هادئاً، لكنني لمست في صوته شيئاً لم أستطع تحديده . عاودت أليس الانحناء فوق الورقة . كانت يدها الان ترسم بسرعة فائقة فظهر شكل مخرج الطوارئ عند الجدار الخلفي وظهر جهازا الستيريو والتلفزيون على الطاولة المنخفضة عند زاوية الغرفة الامامية .

(( تبدو هذه الغرفة شبية بالمكان الذي كنت أتلقى فيه دروس الرقص عندما كان عمري ثمانية أو تسعة أعوام . كان بالشكل نفسه تماماً)) ... لمست الورقة بيدي حيث الجزء المربع الضيق من الغرفة ... (( هنا كان الحمام ... كانت الابواب تفضي إلى غرفة الرقص الاخرى . لكن الستيريو كان هنا )) ... أشرت إلى الزاوية اليسرى ... (( كان أقدم ، ولم يكن في الغرفة تلفزيون . كان في غرفة الانتظار نافذة تطل على هذه الغرفة ... هكذا ترين الغرفة لو نظرت إليها عبر تلك النافذة )) .

كان أليس وجاسبر ينظران إلي . سألني جاسبر ... مازال هادئاً : (( هل أنت واثقة من أنها ليست الغرفة نفسها؟))

(( نعم! ليست الغرفة على الاطلاق ... أعتقد أن معظم قاعات الرقص تبدو بهذا الشكل ... المرايا، والقضيب على الجدران)) .... مررت بيدي حيث يفترض أن يكون القضيب على امتداد المرايا ... (( إن شكل الغرفة هو الذي يبدو مألوفاً)) ... لمست الباب الموجود تماماً في نفس المكان الذي أتذكره .


قالت أليس مقاطعة اندفاعي : (( هل يمكن أن يكون لديك سبب يجعلك تذهبين إلى تلك القاعة الان ؟))

((لا!... لم أذهب إليها منذ عشر سنوات تقريباً . كنت راقصة فاشلة جداً... كانوا يضعونني خلف بقية الراقصات عندما نقدم شيئاً)).

سألتني أليس بإلحاح : (( إذن، ألا يمكن أن يكون للامر علاقة بك؟))
(( لا! بل أظن أيضاً أن مالك الاستوديو تغير . أنا واثقة من أنه أستوديو رقص آخر ... في مكان ما!))

سألني جاسبر دون اهتمام ظاهر : (( أين يقع الاستوديو الذي كنت تذهبين إليه؟))
(( كان قرب منزل أمي ... بعد الزاوية . كنت أذهب إليه مشياً على الاقدام بعد المدرسة ...)) خبت كلماتي عندما رأيت النظرة التي تبادلاها.

سألني ... مازال صوته لا يوحي باهتمام كبير : (( إنه هنا في فينيكس إذن!)) .
همست : (( نعم! عند تقاطع شارع 58وشارع كاكتس)).

جلسنا صامتين جميعاً ... كنا نحدق في الرسم على الورقة .
(( أليس! هل هذا الهاتف آمن؟))
قالت تطمئنني : (( نعم! لا يمكن تعقب الرقم إلا في ولاية واشنطن )).
(( هذا يعني أنني أستطيع استخدامه لاتصل بأمي!))
(( ظننت أنها في فلوريدا!))
(( نعم. إنها في فلوريدا... لكنها ستأتي قريباً... إنها لا تستطيع العودة إلى ذلك المنزل في حين ... )) ارتجف صوتي .

كنت أفكر في شيء قاله إدوارد ... عن ذهاب المرأة حمراء الشعر إلى منزل تشارلي وعن ذهابها إلى المدرسة حيث يوجد سجلي .
(( كيف ستعرفين رقم هاتفها؟))
(( ليس لديهم رقم هاتف دائم إلا في المنزل ... يفترض أن تقوم بتفقد الرسائل المسجلة على الهاتف على نحو منتظم ))

قالت أليس : (( ما رأيك يا جاسبر؟))
فكر في الامر قليلاً: (( لا أعتقد أن في الامر ضرراً... عليك طبعاً أن تنتبهي حتى لاتفصحي عن مكانك!)) .

مددت يدي إلى الهاتف وطلبت الرقم المألوف . بعد أربع رنات سمعت صوت أمي يطلب تسجيل رسالة .

قلت بعد سماع الصافرة: (( أمي! أصغ إلي . أصغ إلي . أريد منك أن تفعلي شيئاً . إنه مهم جداً . فور استلامك هذه الرسالة اتصلي معي على هذا الرقم )) ... سرعان ما صارت أليس بجانبي تسجل رقم هاتفها على طرف الورقة التي كانت ترسم عليها . قرأت الرقم بوضوح ، ثم كررته من جديد ... (( أرجوك ... لا تذهبي إلى أي مكان قبل أن تتحدثي معي . لاتقلقي فأنا بخير . لكن عليك أن تتصلي بي بسرعة مهما تكن ساعة تلقيك هذه الرسالة! هل تفهمينني؟ أحبك أمي... إلى اللقاء)).

أغمضت عيني ودعوت الله أن لا يحدث شيء مفاجئ يجعلها تعود إلى فينيكس قبل أن تسمع رسالتي .

جلست على الاريكة ورحت أقضم بقية من قطعة فاكهة . كنت أتوقع ليلة طويلة . فكرت في الاتصال بتشارلي ، لكنني لم أكن واثقة من أن موعد وصولي الطبيعي إلى فينيكس قد حان فعلاً . حاولت التركيز على أخبار التلفزيون... لعلهم يتحدثون عن قصص من فلوريدا ... عن تدريبات الربيع الرياضية ... عن أعاصير أو عن هجمات إرهابية ... أي شيء يمكن أن يجعل أمي تعود في وقت مبكر .

لابد أن الخلود يمنح المرء صبراً لا حدود له . لم تظهر على جاسبر أو أليس حاجة إلى فعل أي شيء . ظلت أليس برهة تعيد رسم الملامح العامة الغامضة لتلك الغرفة التي راتها ... بقدر ما سمح لها النور المنبعث من التلفزيون الموجود في الغرفة . لكنها فرغت من ذلك ثم جلست محدقة في الجدار العاري بعينين لا تعرفان الزمن . لم تظهر على جاسبر أي رغبة في المشي عبر الغرفة أو في شق طرف الستارة قليلاً لينظر إلى الخارج ... أو في الخروج من الغرفة زاعقاً بأعلى صوته ... هذه كانت رغباتي أنا .

لابد أنني سقطت نائمة على الاريكة منتظرة رنين الهاتف من جديد . استيقظت لحظة على ملمس يدي أليس الباردتين عندما حملتني إلى السرير . لكنني غفوت مجدداً قبل أن يلمس رأسي الوسادة .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الجمعة يوليو 23, 2010 3:16 pm













الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الأحد يوليو 25, 2010 1:19 pm










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الأحد يوليو 25, 2010 1:23 pm















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الأحد يوليو 25, 2010 1:29 pm






































الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Miss cute



عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 05/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الأحد يوليو 25, 2010 1:35 pm

خاتمة:مناسبة



ساعدني ادوارد على الجلوس في السيارة. كان منتبها جدا لطيات الحرير والشيفون وللزهور التي ثبتها منذ قليل على ثوبي المزخرف,تجاهل تعبير الغضب في وجهي


بعد أن أجلسني ذهب فجلس في مقعد السائق وتراجع بالسيارة حتى خرج بها من الممر الضيق الطويل.


سألته بحده: "متى بالضبط تخبرني بما يجري؟"... أنا اكره المفاجئات فعلا. وهو يعرف هذا


"يفاجئني انك لم تدركي الأمر بعد!"...ابتسم مناكفا فانقطعت أنفاسي . ألن اعتاد جماله؟


قلت:"لم اقل لك انك تبدو لطيفا جدا, صحيح؟"


ابتسم من جديد:"نعم"... لم أره من قبل في ملابس سوداء...


جعل التضاد بين ذلك السواد ولون جلده الشاحب جماله خارقا. لم أكن استطيع إنكار هذا حتى لو كانت حقيقة ارتدائه بذله سوداء توترني .


لم تكن بذلته توترني بقدر ما وترني فسناني...أو حذائي! فرده واحده فقط لان قدمي الأخرى كانت ما تزال مضمده. لكن شيئاً لم يكن يمسك الحذاء ذا الكعب الرفيع المدبب إلا شرائط من الساتان ... ولم يكن يساعدني إطلاقا عندما أحاول جر رجلي المضمدة


قلت له حانقة "لن آتي مره ثانيه إذا ظلت آليس تعملني كأنني دمية"...كنت قد أمضيت الشطر الأكبر من ذلك اليوم في حمام آليس الفسيح...كن ضحية لا حول لها حين راحت تزينني وتصفف شعري . وكلما كنت اشتكي أو أتذمر كانت تذكرني بأنها لا تذكر شيئا عن حياتها البشرية وبان علي عدم إفساد تلك المتعة عليها. ثم ألبستني فستانا سخيفا مضحكا... فستان داكن الزرقة مكشكش...عاري الكتفين... عليه بطاقة تحمل كتابه فرنسيه لم استطع قراءتها... فستان مناسب لعروض الأزياء... لا لفوركس. كنت واثقة بان هذه الملابس الرسمية لن تعود علينا بنتيجة طيبه...إلا إذا... لكنني خشيت التعبير عن شكوكي بالكلمات... حتى في ذهني.


شتت انتباهي صوت جرس الهاتف. اخرج ادوارد هاتفه الخلوي من جيب سترته...ألقى نظره سريعة على الرقم ثم أجاب: "الو تشارلي"


تجهم وجهي:"تشارلي!"


كان تشارلي...صعبا منذ عودتي من إلي فوركس كان رد فعله مزدوجا: كان ممتنا لكارلايل إلى حد العبادة لكنه,من ناحية أخرى كان مقتنعا بعناد شديد أن اللوم يقع على ادوارد ...فلولاه...ما كنت خرجت من البيت أصلا لم يخالفه ادوارد الرأي أبدا وفي هذه الأيام فرضت علي قواعد ما كانت موجودة من قبل :لم أكن استطيع الخروج...وكانت ساعات زيارتي محدده.


كان تشارلي يقول في الهاتف شيئا جعل عيني ادوارد تنفتحان واسعتين غير مصدقتين...ثم امتدت ابتسامه على وجهه.


قال ضاحكا:"أنت تمزح!"


سألته :"ما الأمر"


لكنه تجاهلني وقال مخاطبا تشارلي :"لماذا لا تتركني أتحدث إليه"...قالها بسرور واضح. انتظر ثواني قليله..." مرحبا تايلور...أنا ادوارد كولين"...كان صوته ودودا تماما...في الظاهر. كنت اعرف صوته إلى حد يسمح لي بان أحس مسحه خفيفة من الوعيد فيه! ما الذي يفعله تايلور في بيتي ؟ بدأت الحقيقة الفظيعة تتضح أمامي. نظرت من جديد إلى الفستان العجيب الذي أجبرتني آليس على ارتدائه .


"يؤسفني حدوث نوع من سوء التفاهم ! لكن بيلا مشغولة الليلة... مشغولة عن الجميع إلا عني لا تغضب ! آسف لإفساد ليلتك " لم يبد عليه الأسف إطلاقا... ثم أغلق الهاتف وارتسمت على وجهه ابتسامه كبيره


احمر وجهي غضبا... ورقبتي أيضا. شعرت بدموع الغضب تملا عيني . نظر إلي مدهوشا:"هل بالغت في الجزء الأخير من كلامي لم اقصد الإساءة إليك "


تجاهلت كلامه...ثم صرخت "هل تأخذني إلى حفله التخرج ؟؟"


صار الأمر واضحا إلى حد محرج .لو كنت منتبهة لو قليلا...لكنت لاحظت التاريخ على الملصقات التي نشرت في ابنيه المدرسة كلها .لكنني لم أتخيل أبدا أن يجعلني اخضع لهذا العذاب. ألا يعرفني حقا؟


لم يكن يتوقع شده رد فعلي...كان هذا واضحا عليه ضغط على شفتيه وضاقت عيناه:"لا تكوني صعبه يا بيلا"


نظرت من النافذة ...صرنا في منتصف الطريق إلى المدرسة.


سألته مرعوبة :"لماذا تفعل بي هذا؟"...


رفع كتفيه :"بيلا صدقا...ما الذي ظننت أننا نفعله؟"


جمدني سؤاله:" أولا لأنني لم أر ما كان واضحا تماما لكن أيضا لان شكوكي الغامضة ...بل آمالي...التي كانت تتشكل في راسي طيلة النهار عندما كانت آليس تتفنن في تحويلي إلى ملكه جمال...كانت اكبر من هذا بكثير .بدت آمالي نصف المرعوبة...بالغه السخافة الآن"


كنت أدرك أننا نستعد لمناسبة من نوع ما...لكن...حفلة التخرج ! كان ذلك ابعد الأشياء عن ذهني.


انهمر دموعي الغاضبة على خدي.تذكرت فجاءه الماسكرا في عيني مسحت حافة عيني حتى لا تتشوه الماسكرا.نظرت إلى يدي....لم أجد عليها سوادا...لعل آليس عرفت أني بحاجه إلى مواد تجميل مقاومه للماء!


قال ادوارد قانطا:"هذا سخف تام!لماذا تبكين؟"


"لأنني اجن غضبا!"


قال:"أضحكيني!"


كانت عيناه تذيبان غضبي كله.من المستحيل أن أحاربه عندما يغش بهذه الطريقة. استسلمت محافظه على اقل كميه من كرامتي...قلت :"عظيم!"...لم أكن قادرة على جعل نظراتي تأخذ التأثير المطلوب ..."سأمشي بهدوء شديد لكنك سترى سيأتي سوء الحظ إلى من تلقاء نفسه.وقد اكسر رجلي الثانية أيضا .انظر إلى هذا الحذاء أليس مصيدة للموت؟"قلت هذا وقمت برفع رجلي السليمة دليلا على ما أقول.


نظر إليها فتره أطول مما يلزم:"همممم! ذكريني أن اشكر آليس الليلة"


أراحني كلامه قليلا:"هل ستكون آليس موجودة؟"


قال :"وكذلك جاسبر و أيميت...و روزالي"


اختفى إحساسي بالراحة...لم أحقق أي تقدم مع روزالي رغم أنني كنت على وفاق تام مع زوجها...زوجها أحيانا.كان أيميت يستمتع بوجودي.كان يرى ردود أفعالي البشرية صاخبة مضحكه...أو لعله كان يجد سقوطي المستمر أمرا مسليا.أما روزالي فكانت تتصرف كما لو كنت غير موجوده.لكنني ...عندما هززت راسي لأتخلص من الاتجاه الذي اتخذته أفكاري...خطر في بالي شيء آخر.


سألته وقد استبد بي الشك فجاءه:"وهل تشارلي




خطر في بالي شيء آخر.


سألته وقد استبد بي الشك فجاءه:"وهل تشارلي مشترك في الأمر أيضا؟:


"طبعا"...ابتسم ثم رفع كتفيه :"لكن من الواضح أن تايلور لم يكن مشتركا فيه!"


شددت على أسناني...كيف يكون تايلور غبيا إلى هذا الحد الذي لم استطع أن أتخيله.في المدرسة...حيث لا يستطيع تشارلي التدخل...لم نكن نفترق... أنا و ادوارد...إلا في تلك الأيام المشمسة النادرة.


وصلنا إلى المدرسة الآن كانت سيارة روزالي الحمراء واضحة في موقف السيارات.كانت الغيوم خفيفة اليوم...تسربت لمحات من ضوء الشمس من مكان بعيد في الغرب.


نزل ادوارد ودار حول السيارة حتى يفتح لي بابي ..ثم مد لي يده .


ظللت جالسه بعناد في مقعدي طاويه ذراعيّ شاعره بلمسه خفيفة من الاعتداد.كانت ساحة السيارات مزدحمة بأناس يرتدون ملابس رسميه...شهود!...ما كان يستطيع إخراجي من السيارة بالقوة أمامهم كما يمكن أن يفعل لو كنا وحدنا .


تنهد قائلا:"عندما يحاول احد قتلك تكونين بشجاعة الأسود...أما عندما يجري الحديث عن الرقص فانك..."ثم راح يهز رأسه.


غصصت! الرقص!


"بيلا...لن اسمح لشيء أن يؤذيك...بما في ذلك أنت لن أتركك لحظ واحده...أعدك بهذا"


فكرت في قوله فتحسن شعوري فجاءه...رأى ذلك في وجهي.


قال بلطف:"هيا...تعالي!لن يكون الأمر سيئا جدا"...انحنى فوضع ذراعه حول خصري.أمسكت بيده الأخرى وتركته يحملني إلى خارج السيارة .


ظلت ذراعه تلفني...تحملني...بينما رحت أعرج باتجاه المدرسة .


في فينكس,يقومون بحفلات التخرج في صالات الرقص في الفنادق أما هذه الحفلة فهي مقامه في الصالة الرياضية...طبعا.لعلها الصالة الوحيدة التي يمكن أن تتسع لحفله راقصه في هذه البلدة ,عندما دخلنا قهقهت ضاحكه...كان في الصالة أقواس من البالونات...وأكاليل منحنية من الورق الملون تزين الجدران .



كتمت ضحكتي وقلت:" يبدو هذا مثل فيلم رعب بانتظار أن يحدث"


"نعم !يوجد هنا مصاصو دماء أكثر مما يلزم"...تمتم بهذه الكلمات فيما كنا نقترب ببطء من طاوله التذاكر,كان يحمل معظم وزني,لكنني كنت مضطرة إلى جر أقدامي وجعلها تتحرك إلى الأمام .


نظرت إلى حلبه الرقص...كانت على شكل فسحه متسعة منخفضة وسط الصالة...وكان فيها زوجين راقصين .أما بقيه الراقصين فقد ابتعدوا حتى جوانب القاعة مفسحين متسعا لهذين الزوجين.أيميت و جاسبر كانا رائعين في بذلتيهما التقليديتين السوداويين وكانت آليس باهرة الجمال في ثوب اسود من الساتان فيه فتحات هندسيه الشكل تظهر مثلثات كبيره على جلدها الأبيض مثل الثلج أما روزالي...فكانت روزالي!كانت فوق الوصف. كان ثوبها القرمزي الحي...من غير ظهر,يضيق عند ركبتيها ثم ينفتح على شكل شريط مكشكش متسع . أشفقت على جميع الفتيات في تلك الصالة...أشفقت على نفسي أيضا!


همست بنبره تأمريه:"هل تريد أن اقفل الأبواب حتى تستطيع ذبح الجميع وهم غافلون


ابتسم قائلا:"وأين موقعك من هذه الخطة؟"


"آوه!أنا إلى جانب مصاصي الدماء طبعا!"


ابتسم دون حماس:"أي شيء حتى لا ترقصي !"


"أي شيء !"


اشترى التذاكر ثم تزجه إلى حلبه الرقص. تعلقت بذراعه ورحت اجر قدمي جرا.


قال محذرا:"لدي الليلة كلها".


جرني أخيرا إلى حيث كان أفراد أسرته المتألقون ...المتألقون على نحوا لا يتناسب إطلاقا مع هذا الزمان وهذه الموسيقى...رحت انظر برعب:"ادوارد!"...لم يسمح لي جفاف حلقي إلا بالهمس..."صدقا!أنا لا استطيع الرقص"...شعرت بالرعب يصعد في صدري مثل الفقاعات.


أجابني هامسا:"لا تقلقي أيتها السخيفة !أنا استطيع الرقص".


وضع ذراعي على عنقه ورفعني قليلا حتى يضع قدميه تحت قدمي...و فجاءه ...صرنا ندور راقصين.


قلت ضاحكه بعد خمس دقائق من رقص الفالس:"أحس أنني طفله في الخامسة"


تمتم:" لا يبدو عليك انك في الخامسة "...شدني إليه ثانيه واحده فارتفعت قدمي مسافة عن الأرض.


شدني إليه ثانيه واحده فارتفعت قدمي مسافة عن الأرض.


التقت عيني بعين آليس في إحدى الدورات فابتسمت لي مشجعة...ابتسمت لها.فوجئت بأنني مستمتعة حقا...قليلا...فقلت معترفة:"لا باس!هذا ليس سيئا"


لكن ادوارد كان ينظر نحو الباب...كان وجهه غاضبا.


سألته بصوت مرتفع :"ما الأمر؟"...تابعت نظراته...كان راسي يدور قليلا,لكنني تمكنت أخيرا من رؤية ما أزعجه.كان جايكوب بلاك...دون بدله رسميه...مرتديا قميص ابيض طويل الأكمام مع ربطه عنق...وشعره الطويل مربوط إلى الخلف كالعادة...يجتاز القاعة باتجاهنا.


بعد زال الصدمة الأولى...لم أكن قادر هالا على الشعور بالأسف من اجل جايكوب. من الواضح انه غير مرتاح...كان منزعجا.كان الاعتذار ظاهرا في تعبير وجهه عندما التقت عيناه بعيني.


زمجر ادوارد بصوت خفيض جدا فهمست له:"اضبط نفسك!"


كان صوته حارقا:"انه يريد الثرثرة معك"


في تلك اللحظة وصل جايكوب إلينا. كان تعبير الإحراج والاعتذار ظاهرا في وجهه أكثر من ذي قبل.


"مرحبا بيلا! كنت! آمل أن تكوني هنا"...بدا صوته كما لو انه يقصد العكس. لكن ابتسامته كانت دافئة كعهدها دائما.


ابتسمت له :"أهلا جايكوب! ما الجديد؟"


"هل استطيع مقاطعتكما"...ألقى هذا السؤال بطريقه عفويه ملتفتا إلى ادوارد للمرة الأولى.فوجئت عندما لاحظت أن جايكوب لم يكن بحاجه إلى رفع رأسه حتى ينظر إلى ادوارد.لابد أن طوله زاد 15سنتيمترا منذ رايته أول مره.


كان وجه ادوارد مضبوطا...خاليا من التعبير.كان رده الوحيد هو أن جعلني برفق أقف على قدمي ثم تراجع خطوه إلى الوراء.


قال له جايكوب بمودة:"شكرا:


اكتفى ادوارد بان أومأ برأسه ناظرا إلى نظره ملحه قبل أن يستدير ويبتعد.


وضع جايكوب يديه على وسطي فمططت جسمي حتى أضع يدي على كتفيه.


:واو! كم صار طولك الآن يا جايكوب؟"


أجابني باعتداد :"180سنتميترا "


لم نكن نرقص فعلا...جعلت قدماي ذلك أمرا مستحيلا كنا نتمايل بطريقه خرقاء من جانب لآخر دون أن نحرك أقدامنا.هو أيضا ...جعله نموه في الفترة الأخيرة يبدو غير متسق الحركات...لعله لم يكن راقصا أفضل مني!


سألته دون إبداء فضول حقيقي...تحسبا لرده فعل ادوارد...كما أظن:"كيف وصلت إلى هنا اليوم؟:


اعترف مع قليل من الخجل:"هل تصدقين ا نابي أعطاني عشرين دولار حتى آتي إلى حفلتك؟"


تمتمت:"نعم! اصدق هذا...آمل أن تكون مستمتعا بها...على الأقل.هل رأيت شيئا أعجبك؟"قلت هذا مشيره براسي نحو مجموعه من الفتيات المصطفات عند الجدار مثل قطع من الحلوى.


قال:"نعم!...لكن من تعجبني ليست حرة!"


نظر إلى الأسفل... إلى عيني المدهوشتين...لحظه واحده...ثم اشجنا بوجهينا محرجين.


أضاف خجلا:"تبدين جميله حقا!"


"همممم!شكرا...لم تقل لي لماذا أعطاك بيلي نقودا حتى تأتي!"...ألقيت هذا السؤال بصوت هادئ...لكنني كنت اعرف الأجابه.


لم يظهر على جايكوب الارتياح لتغير موضوع الحديث.أدار وجهه منزعجا من جديد :"قال ان المكان هنا امن للحديث معك.اقسم أن الرجل العجوز فقد عقله:


ضحك فشاركته بضحكه خفيفة.


قال معترفا بابتسامه خجلى:"قال انه سيجلب لي تلك الاسطوانة التي أريدها من اجل سيارتي إذا قلت لك شيئا".


"قل لي إذن! أريد أن تتمكن من إنهاء سيارتك"...ابتسمت له.على الأقل , لم يكن جايكوب يصدق شيئا من قصص أبيه.هذا يجعل الوضع أسهل قليلا.كان ادوارد يراقب وجهي من موقعه عند الجدار ...أما وجهه فكان من غير تعبير.


شاهدت طالبة في الصف الثاني ثانوي في فستان وردي تنظر إليه...خجله من الاقتراب منه.لكنه بدى غير مدركا لوجودها .


أشاح جايكوب بوجهه من جديد...خجلا:"لا تغضبي...اتفقنا!:


"لا يمكن أن اغضب منك أبدا يا جايكوب...لن اغضب من بلي أيضا...قل ما تريد قوله".


"طيب!...هذا شيء سخف جذا...أنا أسف يل بيلا...انه يريدك أن تقطعي علاقتك بصديقك...انه يرجوك أن تفعلي ذلك"...هز رأسه مشمئزا.


"مازال مؤمنا بتلك الخرافات...!"


"نعم!...جن جنونه عندما أصبت في فينكس...لم يصدق حكاية وقوعك..."امسك جايكوب عن الكلام.


ضاقت عيناي:"لقد وقعت".


قال جايكوب بسرعة:"اعرف هذا".


"يظن والدك أن ادوارد له علاقة بما أصابني!"...لم يكن هذا سؤلا...كنت غاضبه..رغم وعدي.


لم يستطع جايكوب النظر في عيني. لم تعد نتمايل على وقع الموسيقى...لكن يديه كانتا على وسطي وكانت يداي ما تزالان معلقتان بعنقه.


"انظر يا جايكوب! اعرف أن بلي لن يصدق على الأرجح لكني أريدك أن تعرف..."صار ينظر إلي مستجيبا للنبرة الصادقة في صوتي..."ادوارد انقذ حياتي. لولا ادوارد ووالده لكنت ميتة الان".


قال:"اعرف!"...لكن صوته بدا متأثرا بنبره الصدق في كلماتي.لعله يستطيع إقناع بيلي بعض الشيء.


قلت معتذرة :"اسمع!يؤسفني انك اضطررت إلى المجيء حتى تقول لي هذا...لكنك استمتعت هنا..صحيح؟".


تمتم:"نعم!"...مازال شكله غريبا...مزعجا.


سألته غير مصدقه:"هل لديك المزيد؟".


غمغم:"انسي الأمر! سوف احصر على عمل وأوفر بنفسي المال اللازم لتلك الاسطوانة"


حدقت فيه مصره حتى نظر اللي:"تكلم يا جايكوب!"


"انه أمر سيئ جدا"


قلت له بإلحاح:"لا يهمني...قله لي".


"طيب!...لكن...أف...انه شيء سيئ"...هز رأسه ثم تابع..."طلب منى أن أقول لك,لا...أن أحذرك,إننا سنراقبكما...صيغه الجمع من عنده!"...نظر إلى قلقا ينتظر رده فعلي.


بدا الأمر كأنه مأخوذ من أفلام المافيا.ضحكت بصوت مرتفع ثم قلت:"يؤسفني انك اضطررت للقيام بهذه المهمة يا جايكوب".


ابتسم مرتاحا"لم تكن مزعجه إلى هذا الحد".كان في عينيه نظره إعجاب وهو ينظر سريعا إلى ثوبي...قال بأمل:"هل أقول له بأنك لا تهتمين؟"


"لا! قل له أنني قلت...شكرا...اعرف انه يريد لي الخير".


انتهت الاغنيه فتركت ذراعيّ تسقطان عن كتفيه.


ترددت كفاه على خصري ثم ألقى نظره خاطفه إلى ساقي المضمدة:"هل تريدين الاستمرار في الرقص؟أم أساعدك في الذهاب حيث تريدين؟"


أجابه ادوارد بدلا مني:"لا باس جايكوب! ساتولى الأمر الآن".


أجفل جايكوب ونظر بعينين متسعتين إلى ادوارد الذي كان يقف ملاصقا لنا.ثم غمغم:"لم أرك واقفا هنا! أراك يا بيلا"...تراجع إلى الخلف ملوحا بيده دون حماس.


ابتسمت:"نعم! أراك فيما بعد".


قال قبل أن يستدير صوب الباب:"أنا آسف!"


التفت ذراعا ادوارد حولي مع بدء الأغنيه الجديدة.كانت الأغنية أسرع قليلا مما يناسب الرقص الهادئ...لكنه لم يبد مهتما بهذا.أرخيت راسي على صدره...راضيه.


قلت بنبره مناكفه:"هل تشعر بأنك أفضل الآن؟"


قال:"في الحقيقة...لا!"


قلت:"لا تغضب من بيلي.انه قلق على لأنه يحب تشارلي...لا شيء شخصي في الأمر"


قال مصححا بنبره حادة:"لست غاضبا من بيلي...لكن ابنه يزعجني"


أبعدت راسي حتى انظر إليه.كان وجهه شديد الجدية فسألته:"لماذا؟".


"أولا لأنه جعلني اخلف وعدي!"...نظرت إليه بحيرة فابتسم نصف ابتسامه وقال موضحا:"وعدنك ألا أتركك الليلة!"


"أوه! بسيطة سامحتك"


"شكرا!لكن ثمة شيئا آخر"...قالها عابسا فانتظرت بصبر.


تابع كلامه وازداد وجهه عبوسا:"قال انك جميله...هذه أهانه...في هذه اللحظة أنتي أكثر من جميله!"


ضحكت:"لعلك متحيز قليلا!"


"لا أظن ذلك...كما أن نظري ممتاز أيضا!"


كنا ندور راقصين من جديد. وكانت قدماي فوق قدميه في حين كان يضمني إليه .سألته :"هل ستشرخ لي سبب هذا كله ؟"


نظر إلي مرتبكا فنظرت إلى أوراق الزينة نظره متسائلة.


فكر برهة ثم غير اتجاهنا فأخذني عبر حشد الراقصين إلى باب القاعة الخلفي.مر بي وجه جيسيكا و مايك يرقصان ناظرين إلى نضره استغراب.لوحت لي جيسيكا فابتسمت لها ابتسامه سريعة. كانت أنجيلا هناك أيضا تبدوا عليها سعادة غامرة بين ذراعي بين تشيني القصير...لم ترفع عينها عن عينيه...رأيت لي وسامانثا و لورين يحدقون بنا...ورأيت كونر.كنت استطيع ذكر أسماء كل الذين رايتهم في تلك اللحظة.ثم صرنا في الخارج ...في ضوء الغروب الخافت البارد الذاوي.

ثم صرنا في الخارج ...في ضوء الغروب الخافت البارد الذاوي.


عندما صرنا وحدنا حملني بين ذراعيه ومضى بي عبر الفسحة المظلمة حتى وصلنا إلى مقعد تحت ظل الأشجار.كان القمر قد بدا بالظهور...كان يلوح من خلف الغيوم الخفيفة...تألق وجهه الشاحب في ذلك الضياء الأبيض.كان وجهه متصلبا...كانت عيناه مضطربتين.


قلت استحثه برفق:"اشرح لي!"


تجاهلني وراح يحدق في القمر ثم تمتم:"انه الغسق من جديد...نهاية جديدة. مهما يكن جمال اليوم...فهو ينتهي دائما"


تمتمت عبر أسناني وقد توترت فجاءه:"بعض الأشياء ليست بحاجة إلى أن تنتهي".


قال ببطء مجيبا على سؤالي:"أتيت بك إلى حفلة التخرج لأنني لا أريد أن تفوتي شيئا.لا أريد إن يسلبك وجودي أي شيء...إذا استطعت. أريدك أن تكوني بشريه. أريد أن تستمر حياتك كما لو أنني مت أواخر القرن التاسع عشر كما كان مقدرا لي".


ارتعدت لكلماته ثم هززت راسي غاضبة:"ما الذي يجعلك تظن أنني يمكن أن اذهب إلى حفلة التخرج بإرادتي؟ لو لم تكن أقوى مني بألف مره لما تركتك ابدآ تفلت بفعلتك هذه من غير عقاب".


ابتسم ابتسامة صغيره لم تبلغ عينيه"لم يكن الأمر سيئا جدا...أنت قلت هذا!"


"لأنني معك"


بقينا صامتين دقيقه كاملة. كان يحدق في القمر...وكنت أحدق فيه. تمنيت لو أجد كريقه تجعله يدرك مدى اهتمامي بالحياة البشرية العادية.


سألني ملتفتا نحوي بابتسامه خفيفة:"هل تقولين لي شيئا؟"


"لكن,ألا أقول لك دائما؟"


لكنه ألح مبتسما:"عديني فقط انك ستقولين لي!"


"أعدك!"... علمت أنني سأندم على هذا الوعد في الحال.


بدا يقول:"بدت عليك المفاجأة فعلا عندما عرفت أنني كنت قادما بك إلى هنا"


قاطعته: "صحيح".


قال :"تماما!لابد انك كنت تتصورين شيئا آخر...لدى فضول لمعرفه ما كنت تعتقدين انه السبب الذي يجعلني ألبسك بهذا الشكل".


نعم...لقد ندمت على وعدي فورا.ضغطت على شفتي مترددة:"لا أريد إخبارك"


قال معترضا:"لكنك وعدتني!"


"اعرف".


"ما المشكلة؟"


عرفت انه ظن أن الإحراج يمنعني من الكلام: "أظن انه الأمر سيجعلك تغصب كثيرا... أو تحزن كثيرا"


انعقد حاجباه فوق عينيه وهو يفكر... ويفكر: "مازلت أريد معرفته...أرجوك!".


تنهدت...انتظر قليلا!


"الواقع...اعتقدت أن في الأمر مناسبة.لكنني لم أظن أنها سيكون شيئا بشريا إلى هذا الحد...حفلة التخرج"


سألني دون تعبير: "همممم! مناسبة مثل ماذا؟"...لقد وضع يده على الكلمة... المفتاح.


نظرت إلى ثوبي ورحت اعبث بقطعه من الشيفون. انتظر صابرا.


اعترفت بصوت متعجل: "طيب! توقعت أن تكون قد غيرت رأيك...أن تكون قد قررت تحويلي في النهاية!".


تضاربت عشرات المشاعر في وجهه. عرفت بعضها:الغضب...الألم...ثم بدا مسيطرا على نفسه... عاد وجهه مرحا.


"ظننتِ أنها ستكون مناسبة جديرة بربطة عنق سوداء...أليس كذلك؟" قال يناكفني لامسا ياقة سترته.


عبست لأخفي حرجي: "لا اعرف كيف تجري الأمور. في نظري... على الأقل... تبدو أكثر عقلانيه من المجيء إلى حفله التخرج"...مازال يبتسم...قلت له:"ليس الأمر مضحكا!"


خبت ابتسامته وقال موافقا: "صحيح! أنت محقه...ليس المر مضحكا! لكنني افضل اعتبار هذا مزاحا ولا أريد لاعتقاد انك جادة"


"لكنني جادة"


تنهد بعمق: "اعرف هذا! هل أنت راغبة في الأمر إلى هذه الدرجة"


عاد الألم إلى عينيه. عضضت شفتي و أومأت براسي.


"مستعدة جدا لان تجعلي هذه اللحظة نهاية الأمر"...كان يتمتم..لنفسه تقريبا..."مستعدة لان يكون هذا الغسق غسق حياتك مع أنها لم تكد تبدأ.مستعدة للتخلي عن كل شيء"


عارضته هامسة: "هذه ليست النهاية...إنها البداية!"

قال بحزن: "لست استحق هذا"

سألته: "هل تذكر عندما قلت لي أنني لا ارى نفسي بوضوح؟.... أنت مصاب بالعمى نفسه".


"اعرف أنني مصاب به"


لكن مزاجه الزئبقي تغير من جديد.شد على شفتيه وراحت عيناه تسبران أغواري...تفحص وجهي لحظه طويلة ثم سألني: "إذن...أنت مستعدة الآن؟"


غصصت: "همممم!نعم!"


ابتسم وخفض رأسه بطيئا حتى لمست شفتاه الباردتان جلدي عند حافة فكي.


همس :"الآن؟"...داعبت أنفاسه الباردة رقبتي فارتجفت دون قصد مني.


أجبته همسا حتى لا يضطرب صوتي: "نعم"...لو كان يعتقد أنني مازحة فسوف يخيب أمله. لقد اتخذت هذا القرار من قبل...وأنا واثقة من قراري. ليس مهما ذلك التيبس الذي اجتاح جسدي...ولا تشنج يدي...لا تقطع أنفاسي.


ضحك ضحكه منخفضة قاتمة ثم ابعد رأسه عني.


قال مع مسحه من المرارة خالطت نبرته المازحة: "هل تعتقدين أنني يمكن استسلم بهذه السهولة؟"


"يمكن للفتاة أن تحلم!"


ارتفع حاجبه: "أهذا ما تحلمين به؟ أن تكوني وحشا!"


قلت عابستا للكلمات التي اختارها: "ليس بالضبط! احلم أن أكون معك إلى الأبد".


تبدل تعبير وجهه...صار أكثر رقه...حزينا للألم الخفي الذي لمسه في صوتي.


"بيلا!"...راحت أصابعه تداعب شفتي..."سأظل معك دائما...أليس هذا كافيا".


ابتسمت تحت أصابعه: "انه يكفيني الآن!"


تقلص وجهه لعنادي لن يستسلم احد الليلة! استنشق نفسا عميقا...كان صوت تنفسه مثل زمجرة خفيفة.


لمست وجهه وقلت : "انظر! احبك أكثر من أي شيء آخر في العالم كله.ألا يكفيك هذا؟"


أجابني مبتسما: "نعم! يكفيني...يكفيني إلى الأبد".


ثم انحنى فوضع شفتاه الباردتين عل رقبتي من جديد.


النهاية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساحرة النظرات
Admin


عدد المساهمات : 297
تاريخ التسجيل : 16/01/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية   الخميس يوليو 29, 2010 2:00 pm

استمتعت باعادة قرائتها واخا بصراحة بالفرنسية احسن بزاف

مشكورة على النقل حبوبة

و اختيار رااااائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://ladynaana.ahlamontada.com
 
رواية الشفق الراااائعة خطية و بالعربية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الليدي نانا :: منتدى Twilight Saga :: Twilight الشفق-
انتقل الى: